بلغ برج جدة الطابق 116 وارتفاعاً يقارب 466 متراً بنهاية سبتمبر/أيلول 2026، في أحدث تحديث معلن عن المشروع الذي يستهدف أن يصبح أول مبنى يتجاوز ارتفاعه كيلومتراً واحداً. وفي المقابل، انتقل موعد الإنجاز المستهدف من أغسطس/آب 2028 إلى أواخر العام نفسه، ما يعني إضافة بضعة أشهر إلى الجدول السابق من دون تغيير سنة التسليم المعلنة.
جاءت الأرقام على لسان فابيان توسكانو، الرئيس التنفيذي لشركة جدة الاقتصادية المطورة للمشروع، خلال مؤتمر للمشروعات الكبرى في الرياض. وبحسب التحديث، يتبقى 41 طابقاً من أصل 157 طابقاً مخططاً لها، بينما يستمر صعود النواة الخرسانية بوتيرة تقارب طابقاً واحداً كل خمسة أيام.
ماذا تحقق في موقع برج جدة؟
استؤنف العمل الفعلي في البرج مطلع 2025 بعدما ظل المشروع متوقفاً سنوات. كانت البنية قد وصلت عند العودة إلى نحو 63 طابقاً، ثم تسارع التنفيذ خلال 2025 و2026 حتى تجاوز المبنى حاجز 100 طابق في الربيع الماضي، ووصل إلى الطابق 113 بنهاية أغسطس، ثم إلى الطابق 116 في التحديث الأحدث.
الارتفاع المعلن، نحو 466 متراً، يضع البرج بالفعل ضمن فئة الأبراج الأعلى عالمياً قبل اكتماله. لكنه لا يزال بعيداً عن صورته النهائية؛ إذ إن الأجزاء العليا، والكسوة، والأنظمة الداخلية، والمصاعد، وأعمال الاختبار والتشغيل تحتاج إلى زمن أطول من مجرد صب النواة الخرسانية.
تقول شركة جدة الاقتصادية إن أكثر من ستة آلاف شخص يعملون يومياً في المشروع، وإن التنفيذ تجاوز 20 مليون ساعة عمل من دون إصابة مضيعة للوقت. وهذه مؤشرات تشغيلية مهمة في مشروع يتطلب إدارة متزامنة للخرسانة والواجهات والأنظمة الكهروميكانيكية والنقل الرأسي على ارتفاع غير مسبوق.
لماذا انتقل الموعد إلى أواخر 2028؟
كان أغسطس/آب 2028 هو الموعد المتداول سابقاً، لكن التحديث الجديد يضع الإنجاز في أواخر 2028. الفارق الزمني محدود مقارنة بتاريخ المشروع الطويل، إلا أنه يكشف أن سرعة ارتفاع الهيكل ليست العامل الوحيد الذي يحكم الجدول.
أشار توسكانو إلى ضغوط متصلة بارتفاع تكاليف التوريد والبناء التي تواجه المقاولين في السعودية والمنطقة. وتؤثر أسعار المواد، وتوافر العمالة المتخصصة، وسلاسل الإمداد، وترتيب الأعمال داخل المبنى في المدة النهائية. وكلما ارتفع البرج زادت تعقيدات ضخ الخرسانة ونقل الأشخاص والمواد وتركيب الواجهات والأنظمة.
لهذا لا ينبغي قراءة بلوغ الطابق 116 على أنه اقتراب خطي من الافتتاح. اكتمال الطوابق الإنشائية يسبق عادة مرحلة واسعة من التشطيبات والاختبارات وربط المرافق والحصول على الموافقات التشغيلية. الموعد الجديد يبقى هدفاً معلناً قابلاً للتأثر بالتنفيذ الفعلي خلال العامين المقبلين.
متى يصبح برج جدة الأعلى في العالم؟
صُمم البرج ليتجاوز ارتفاع ألف متر، بينما يبلغ ارتفاع برج خليفة في دبي 828 متراً. وإذا اكتمل وفق المواصفات المعلنة فسيتجاوزه بما لا يقل عن نحو 180 متراً، وينتزع لقب أعلى مبنى في العالم. إلا أن اللقب لا يُحسم بمجرد تجاوز ارتفاع منافس أثناء البناء؛ بل يرتبط بإكمال المبنى وفق المعايير المعمارية المعتمدة.
يتولى تصميم البرج مكتب أدريان سميث وغوردون غيل للهندسة المعمارية، بينما تشارك ثورنتون توماسيتي في الأعمال الإنشائية، وتنفذ مجموعة بن لادن السعودية عقد استكمال البناء. يعتمد الشكل المدبب والأجنحة الثلاثة على تقليل الأحمال الناتجة من الرياح كلما ارتفع المبنى.
ومن المخطط أن يضم البرج فندقاً ووحدات سكنية ومكاتب ومنصة مشاهدة مرتفعة، إلى جانب منظومة مصاعد سريعة. هذه الاستخدامات المختلطة تفسر جزءاً من التعقيد؛ فالمشروع ليس هيكلاً رقمياً لقياس الارتفاع فقط، بل مبنى يفترض أن يستقبل سكاناً وموظفين وزواراً ويعمل يومياً بأمان.
البرج قلب مدينة جدة الاقتصادية
يقع المشروع في شمال جدة قرب خور أبحر وساحل البحر الأحمر، ويشكل مركز المرحلة الأولى من مدينة جدة الاقتصادية. تمتد الخطة العامة للمدينة على نحو 5.3 ملايين متر مربع، فيما تبلغ مساحة المرحلة الأولى قرابة 1.7 مليون متر مربع وفق بيانات الشركة.
أوضح الرئيس التنفيذي أن البنية التحتية للمرحلة الأولى جاهزة وأن قطع الأراضي مخدومة ومسجلة بصورة مستقلة، مع توجه لبدء محادثات رسمية مع مطورين آخرين. وهذا يعني أن نجاح المشروع لن يقاس بالبرج منفرداً، بل بقدرته على جذب السكن والأعمال والخدمات إلى المنطقة المحيطة.
تخطط الشركة أيضاً لطرح وحدات سكنية للبيع خلال 2027. وإذا تقدمت هذه الخطوات بالتوازي مع أعمال البرج، فقد تتحول المنطقة من ورشة ضخمة حول مبنى منفرد إلى حي متعدد الاستخدامات قبل الافتتاح الكامل.
مسار طويل من التوقف إلى الاستئناف
بدأ إنشاء البرج في 2013، ثم تباطأ وتوقف سنوات قبل توقيع عقد جديد لاستكماله وعودة الأعمال. لهذا يحمل كل تحديث عن ارتفاعه معنى يتجاوز عدد الطوابق؛ فهو يقيس قدرة المشروع على المحافظة على وتيرة التنفيذ بعد فترة طويلة من عدم اليقين.
منذ الاستئناف أضيفت عشرات الطوابق، وهو تقدم ملموس يمكن رصده في الموقع. لكن التجربة السابقة تجعل الفصل ضرورياً بين ما أُنجز فعلاً وبين الوعود المستقبلية. المؤكد الآن هو بلوغ الطابق 116 ونحو 466 متراً، واستمرار البناء، واستهداف نهاية 2028. أما تاريخ الافتتاح التجاري الدقيق فلم يُعلن بصورة نهائية.
ما الذي ينبغي متابعته تالياً؟
المؤشر الأول هو بلوغ القمة الإنشائية وإتمام الطوابق الـ41 المتبقية. بعد ذلك ستصبح وتيرة تركيب الواجهات والأنظمة الداخلية والمصاعد أكثر دلالة على موعد التسليم من سرعة النواة وحدها. كما سيكون دخول مطورين إلى الأراضي المحيطة اختباراً عملياً لخطة المدينة الاقتصادية.
بالنسبة إلى سكان جدة وقطاع العقار، يرتبط المشروع بفرص أعمال وسياحة وضيافة وبصورة المدينة على الساحل الغربي. لكنه يرتبط أيضاً بأسئلة عملية عن البنية التحتية والمرور والخدمات والطلب الحقيقي على المساحات الجديدة، وهي ملفات يجب تقييمها مع تقدم المنطقة لا من خلال رقم الارتفاع فقط.
الخلاصة أن برج جدة عاد إلى مسار صاعد ووصل إلى مرحلة لم يبلغها من قبل، لكن أمامه أعمال إنشائية وتشغيلية كبيرة. أواخر 2028 هو الهدف الحالي، لا موعد افتتاح نهائي مضمون، وسيكون التقدم الفعلي خلال 2027 هو الاختبار الأوضح لمدى واقعية هذا الجدول.

