اقتصاد

جو الصدي يقاطع جلسات الحكومة بسبب أزمة كهرباء لبنان

أعلن وزير الطاقة اللبناني جو الصدي مقاطعة جلسات الحكومة مع استمراره في مهامه، مطالباً بتسديد نحو 300 مليون دولار لكهرباء لبنان واتخاذ قرارات إصلاحية.

بصمة النشر d7dfa9e9ea
محطة كهرباء ومبان سكنية على الساحل اللبناني عند الغروب
محطة كهرباء ومبان سكنية على الساحل اللبناني عند الغروب

أعلن وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي، الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مقاطعة جلسات مجلس الوزراء إلى حين اتخاذ قرارات قال إنها ضرورية لاستمرار التغذية الكهربائية. وشدد الصدي، خلال مؤتمر صحافي في مقر الوزارة ببيروت، على أن الخطوة لا تعني استقالته أو توقفه عن ممارسة مسؤولياته الوزارية، بل الامتناع عن حضور الجلسات الحكومية في المرحلة الحالية.

وضع الوزير في صدارة مطالبه تسديد متأخرات وإعفاءات مستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان، وقدرها بنحو 300 مليون دولار، إلى جانب معالجة الهدر غير التقني وربط التعرفة بكلفة الوقود. وحتى وقت إعداد هذه المادة، لم يظهر في المصادر الرسمية التي راجعتها رد فوري من رئاسة الحكومة على قرار المقاطعة أو جدول زمني لتنفيذ المطالب.

ماذا قرر جو الصدي تحديداً؟

قال الصدي إنه سيعتكف عن حضور جلسات مجلس الوزراء «إلى حين اتخاذ القرارات المحقة بالنسبة للكهرباء»، لكنه سيواصل إدارة الوزارة ومتابعة المرفق العام. هذا التمييز مهم، لأن المقاطعة السياسية لجلسات الحكومة لا تعني قانوناً أن حقيبة الطاقة أصبحت شاغرة، كما لا تعني أن القرارات التنفيذية داخل الوزارة أو أعمال مؤسسة كهرباء لبنان ستتوقف تلقائياً.

ربط الوزير عودته إلى الجلسات باستجابة الحكومة لملف المستحقات وبالتعامل الجدي مع مقترحات إصلاح القطاع. وقال إن الوزارات والمؤسسات العامة مطالبة بدفع فواتيرها، وإن الدولة يجب أن تعوض مؤسسة كهرباء لبنان عن إعفاءات أقرتها لمناطق تضررت خلال الحرب في الجنوب. هذه الأرقام والمطالب وردت على لسانه، ولم تنشر الحكومة في الساعات الأولى بياناً يؤكد قيمة المتأخرات أو يعرض آلية تسديدها.

وبذلك يفتح القرار خلافاً داخل السلطة التنفيذية حول ترتيب الأولويات والتمويل، لكنه لا يحسم النتيجة. الخطوة التالية ستكون إما إدراج المطالب في جلسة حكومية واتخاذ قرارات بشأنها، أو استمرار المقاطعة وبقاء الملف موضع تفاوض بين وزارة الطاقة ورئاسة الحكومة ووزارة المال والجهات المعنية.

ثلث الطلب وارتفاع كلفة الوقود

شرح الصدي أن القدرة الإنتاجية المتاحة لا تغطي سوى نحو ثلث الطلب على الكهرباء، وأن ارتفاع سعر الوقود المستورد لمصلحة المؤسسة خلال الأشهر الستة الأخيرة خفض ساعات التغذية بعدما وصلت إلى نحو سبع ساعات يومياً في فبراير/شباط. وهذه أرقام قدمها الوزير في المؤتمر، وهي تعكس أن أزمة الكهرباء ليست مسألة تحصيل فواتير فقط، بل فجوة بين الإنتاج والطلب وكلفة تشغيل مرتبطة بأسعار الوقود.

تؤثر هذه الفجوة مباشرة في الأسر والمؤسسات التي تضطر إلى الجمع بين فاتورة كهرباء لبنان وكلفة المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة البديلة. لذلك فإن أي انخفاض إضافي في التغذية العامة قد يزيد الاعتماد على مصدر أغلى، بينما لا تضمن زيادة التعرفة وحدها تحسناً في الخدمة إن لم تتوافر كميات الوقود والقدرة الإنتاجية والصيانة والجباية.

قال الوزير إن اعتماد تعرفة متحركة تتغير مع الأسعار العالمية للفيول يمكن أن يخفض الكلفة الإجمالية التي يتحملها المواطن بنحو 240 مليون دولار. لكن الرقم يبقى تقديراً معلناً من الوزارة يحتاج، عند الانتقال إلى التنفيذ، إلى نشر معادلة واضحة للتسعير ودورية التعديل وأثره في مختلف شرائح الاستهلاك.

المتأخرات والهدر في صلب الخلاف

يرى الصدي أن رفع التغذية من دون العودة إلى سلف الخزينة يتطلب أن تسدد الدولة ما عليها للمؤسسة. كما قدر الهدر غير التقني، أي الطاقة التي لا تُجبى قيمتها بسبب التعديات أو مشكلات القياس والتحصيل، بنحو 30%، ودعا إلى إجراءات تحد منه. معالجة هذا الجانب تعني عملياً تحسين العدادات والفوترة والتحصيل وتطبيق القانون بالتساوي، لا تحميل المشتركين الملتزمين وحدهم كلفة العجز.

تنسجم هذه النقطة مع تشخيص أقدم للقطاع. فقد أشار البنك الدولي، في وثيقة عن مشروع دعم الطاقة المتجددة والشبكة، إلى أن خسائر شبكة كهرباء لبنان بلغت نحو 40% في 2023، بينها خسائر تقنية وتجارية، وإلى أن ضعف البنية التحتية والجدارة الائتمانية للمؤسسة والفراغ التنظيمي عرقلت مشاركة القطاع الخاص. تختلف سنة القياس وبعض التعريفات عن أرقام الوزير الحالية، لكنها تضع حجم المشكلة في سياقها.

كما أوصى البنك الدولي سابقاً بمعالجة فواتير المؤسسات العامة عبر الدفع المباشر من اعتماداتها أو المقاصة، وتطوير العدادات وإدارة شبكة التوزيع. وهذا يعني أن خلاف اليوم ليس حول فكرة جديدة بالكامل، بل حول تنفيذ أدوات معروفة وتوزيع كلفتها والمسؤولية عنها.

استثمار خاص وغاز وكهرباء عبر سوريا

قال الصدي إن 24 شركة أبدت اهتماماً بالاستثمار في قطاع الطاقة، لكن المستثمرين يطلبون ضمانات مالية وأمنية. وأضاف أن الهيئة الناظمة أطلقت مناقصة لتشغيل معامل أصغر، وأن 20 شركة قدمت مشاريع في الطاقة التقليدية والمتجددة. لا تعني هذه الأعداد أن عقوداً نهائية أبرمت؛ فهي تعبر عن اهتمام أو طلبات ومشاريع تخضع للتقييم والتمويل والتراخيص.

وتحدث الوزير أيضاً عن إعادة تأهيل خط الغاز إلى دير عمار، وعن عقود شراء غاز وترتيبات عبور ومبادلة مع الأردن وسوريا أحالها إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء. أما استيراد الكهرباء من سوريا فقال إنه ما زال قيد الدراسة، مع بحث إمكان شراء كهرباء من تركيا عبر الأراضي السورية. نجاح هذه المسارات يتوقف على الجدوى الفنية والأسعار والاتفاقات والضمانات، ولا يوجد حتى الآن موعد معلن لبدء الإمداد.

في الأشهر السابقة اتخذت الحكومة خطوات تنظيمية مرتبطة بالقطاع، منها تعيين أعضاء في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان وتشكيل الهيئة الناظمة بعد انتظار طويل. كما بحث المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة في سبتمبر/أيلول تحويل المؤسسة إلى شركة وتقييم أصولها وحفظ حقوق العاملين خلال المرحلة الانتقالية. لذلك يأتي الخلاف الحالي بعد بدء مسار إصلاحي مؤسسي، لا في فراغ كامل.

ما الذي يهم المشتركين الآن؟

لا يترتب على إعلان المقاطعة تغيير فوري ومعلن في التعرفة أو جدول التغذية. وعلى المشتركين التمييز بين مقترحات الوزير والقرارات النافذة: التعرفة المتحركة، استثمارات الشركات، استيراد الغاز والكهرباء، وتسديد المتأخرات تحتاج كل منها إلى إجراء رسمي أو عقد أو موافقة مالية قبل أن تنعكس على الفواتير وساعات التيار.

المؤشر الأهم في الأيام المقبلة هو رد مجلس الوزراء: هل يقر سداد جزء من المستحقات، وهل ينشر رقماً مدققاً وجدولاً للدفع، وهل يعتمد آلية للتعرفة أو للحد من الهدر؟ كما ينبغي مراقبة بيانات مؤسسة كهرباء لبنان بشأن ساعات التغذية وقدرتها على شراء الوقود، لأنها المقياس العملي لأثر الخلاف على الخدمة.

أما سياسياً، فاختبار المقاطعة سيكون في قدرتها على تحويل مؤتمر صحافي إلى قرارات قابلة للتنفيذ من دون تعطيل التنسيق الحكومي. وحتى صدور رد رسمي، يبقى المؤكد أن الوزير مستمر في منصبه وأعمال وزارته، وأن مقاطعته محصورة في جلسات مجلس الوزراء، فيما تظل قيمة المستحقات والحلول المقترحة بحاجة إلى قرار حكومي وبيانات تنفيذية قابلة للمراجعة.

عمر الشمري

مدير الاقتصاد والأعمال