عادت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدينو إلى الأرض بسلام، الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد أن أمضت 237 يوماً في المدار ضمن مهمة Crew-12 إلى محطة الفضاء الدولية. وهبطت مركبة «دراغون فريدوم» في المحيط الهادئ قبالة ساحل لوس أنجلوس عند الساعة 8:34 صباحاً بتوقيت الساحل الأميركي الغربي، أي 15:34 بالتوقيت العالمي.
كان على متن المركبة أيضاً رائدا وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جيسيكا مير وجاك هاثاواي، ورائد وكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس» أندريه فيدياييف. وأكدت ناسا أن فرق الاستعادة أمّنت المركبة وانتشلت الطاقم، ثم بدأ الرواد الفحوص الطبية المعتادة بعد الرحلات الطويلة قبل انتقالهم إلى اليابسة.
كيف انتهت رحلة Crew-12؟
غادر الطاقم محطة الفضاء الدولية في 7 أكتوبر بعد إغلاق بوابات المركبة وانفصالها عن منفذ وحدة «هارموني». ونفذت «دراغون» سلسلة من المناورات للابتعاد عن المحطة، ثم شغلت محركاتها للخروج من المدار قبل دخول الغلاف الجوي، حيث يحمي الدرع الحراري الكبسولة من درجات حرارة قد تصل إلى نحو 1600 درجة مئوية أثناء العودة.
اكتمل الهبوط في الموعد الذي أعلنته الوكالتان الأميركية والأوروبية. وبعد وصول فرق القوارب السريعة إلى الكبسولة، رُفعت إلى سفينة الاستعادة لإخراج أفراد الطاقم وإجراء التقييمات الأولية. ولا يعني انتهاء الهبوط أن برنامج المهمة انتهى فوراً؛ إذ تبدأ بعده متابعة طبية تقيس كيفية تكيف الجسم مجدداً مع الجاذبية بعد أشهر من العيش في بيئة انعدام الوزن.
ومن المقرر أن تتوجه أدينو إلى مدينة كولونيا الألمانية، حيث يوجد مركز رواد الفضاء الأوروبي ومنشأة «إنفيهاب» التابعة للمركز الألماني للفضاء. هناك يواصل الأطباء والباحثون برنامج ما بعد الرحلة، ويقارنون القياسات الجديدة بالبيانات التي جُمعت قبل الإقلاع وخلال الإقامة على المحطة.
237 يوماً وأكثر من 3792 دورة حول الأرض
انطلقت Crew-12 من فلوريدا في 13 فبراير/شباط 2026، والتحمت بالمحطة في اليوم التالي. وخلال 237 يوماً، قطع أفراد الطاقم أكثر من 100 مليون ميل وأكملوا أكثر من 3792 دورة حول الأرض، بحسب الحصيلة الرسمية لناسا. وكانت هذه الرحلة الفضائية الأولى لكل من أدينو وهاثاواي، والثانية لمير وفيدياييف.
حملت مهمة أدينو الأوروبية اسم «إبسيلون»، وهو حرف يُستخدم في الرياضيات للتعبير عن كمية صغيرة يمكن أن يكون لها أثر مهم. وكانت أول فرد من دفعة رواد وكالة الفضاء الأوروبية لعام 2022، المعروفة باسم «هوبرز»، يصل إلى الفضاء. كما أصبحت ثاني امرأة فرنسية تسافر إلى الفضاء بعد كلودي إينييريه، التي بدأت رحلتها الأولى عام 1996.
وتقول وكالة الفضاء الأوروبية إن المهمة سجلت رقماً أوروبياً جديداً لأطول رحلة فضائية منفردة؛ فقد تجاوزت أدينو علامة 200 يوم متواصل على المحطة في 3 سبتمبر، ثم استمرت حتى عودتها في أكتوبر. وتوضح حصيلة ناسا النهائية أن مدة Crew-12 الكاملة بلغت 237 يوماً، وهي المدة التي تشمل الإقامة والعمل في المدار منذ الإطلاق حتى الهبوط.
ثلاث جولات سير فضائي في 14 يوماً
كان السير خارج المحطة أحد أبرز محطات الرحلة. نفذت أدينو ثلاث جولات في غضون 14 يوماً، بإجمالي 19 ساعة و42 دقيقة خارج المركبة، وأصبحت أول فرنسية تنفذ سيراً فضائياً، وثاني امرأة أوروبية تحقق ذلك بعد الإيطالية سامانثا كريستوفوريتي.
شملت المهام الخارجية العمل على هوائي اتصالات متعطل، واستبدال أداة تساعد المركبات على الملاحة قرب المحطة، وتجهيز كاشف للجسيمات الكونية لتحديثات لاحقة، ومد كابلات لتحسين نقل البيانات، وجمع عينات من السطح الخارجي لدراسة الكائنات الدقيقة. وهذه أعمال صيانة وبحث ضرورية لاستمرار تشغيل المختبر المداري، وليست نشاطاً استعراضياً منفصلاً عن أهداف المهمة.
وخلال جولتها الثالثة في 1 سبتمبر، عملت أدينو مع جيسيكا مير ست ساعات و49 دقيقة. أما الجولة الأولى في 18 أغسطس فاستمرت ست ساعات و23 دقيقة، واضطر الفريق خلالها إلى تعديل الخطة بسبب مسامير ووصلات عالقة في هوائي الاتصالات، فأُجّل تركيب الهوائي البديل وثُبت الجزء المعطل بأمان إلى حين عملية لاحقة.
ما الذي أنجزته المهمة علمياً؟
لم تقتصر Crew-12 على تشغيل المحطة وصيانتها. فقد سجل الطاقم مئات الساعات من البحث العلمي، بينها تجارب على إنتاج الخلايا الجذعية لعلاجات تعتمد على الخلايا، وإنتاج سوائل وريدية عند الطلب للرحلات المستقبلية، ودراسة الصلة المحتملة بين البكتيريا المسببة للالتهاب الرئوي وأضرار القلب طويلة الأمد.
وشملت الأبحاث أيضاً التغذية، وتدفق الدم في ظروف الجاذبية الصغرى، وطباعة أنسجة الغضاريف، وتصنيع المعادن بالطباعة ثلاثية الأبعاد. أما برنامج «إبسيلون» الأوروبي فامتد من فسيولوجيا الإنسان إلى علوم المواد والأحياء والموائع والإشعاع، مع تجارب تقيس صحة العضلات وتختبر أجهزة رياضية صغيرة يمكن استخدامها في بعثات أبعد من المدار الأرضي.
قبل الإطلاق، قالت وكالة الفضاء الأوروبية إن أدينو ستعمل على ما يصل إلى 36 تجربة أوروبية، بينها سبع تجارب طورتها وكالة الفضاء الفرنسية. وتحتاج النتائج إلى تحليل على الأرض، لذلك لا يساوي الهبوط إعلان نتائج نهائية لكل تجربة؛ القيمة الآن هي اكتمال جمع العينات والبيانات وعودة أفراد الطاقم للمقارنات الطبية اللاحقة.
ماذا يحدث بعد العودة؟
يراقب الأطباء في الأيام والأسابيع التالية التوازن وقوة العضلات والدورة الدموية والنوم وغيرها من المؤشرات التي تتأثر بالإقامة الطويلة في الفضاء. وقد يشعر الرواد مؤقتاً بثقل الحركة أو اضطراب الاتجاه بعد أن اعتادت أجسامهم انعدام الوزن، ولهذا يخضعون لبرنامج إعادة تأهيل تدريجي ولا يعودون مباشرة إلى جدول يومي عادي.
حددت ناسا مؤتمراً صحفياً في 15 أكتوبر لمناقشة المهمة وأبحاثها مع أفراد من الطاقم. وسيتيح المؤتمر شرح ما واجهه الرواد أثناء الرحلة وما يمكن استخلاصه من التجارب، لكن تقييم الأثر العلمي الكامل سيستغرق وقتاً أطول مع فحص العينات ونشر النتائج من الفرق البحثية المختصة.
الخلاصة المؤكدة حتى الآن أن Crew-12 عادت بكامل أفرادها بعد 237 يوماً وأكثر من 3792 دورة، وأن أدينو أنهت أول رحلة لها بثلاث جولات سير ورقم أوروبي في مدة الرحلة المنفردة. أما النتائج الطبية والعلمية التفصيلية، فهي المرحلة التالية التي ستتضح عبر التحليلات والمؤتمرات والمنشورات العلمية، لا من مشهد الهبوط وحده.

