أعادت أسعار اللحوم الحمراء البلدية في الأردن الجدل حول توازن السوق بين حماية المستهلك والحفاظ على دخل مربي المواشي، بعدما قالت جمعية حماية المستهلك إن رصدها أظهر ارتفاعاً ملحوظاً في عدد من المحافظات والألوية والقرى. ووفق الأرقام التي عرضتها الجمعية، ارتفع سعر كيلو لحم العجل البلدي في بعض المواقع من 10 دنانير إلى 12 ديناراً، بينما تفاوتت الزيادات في لحم الخراف بحسب الحجم والمنطقة.
لا تمثل هذه الأرقام تسعيرة رسمية موحدة لكل المملكة، بل نتائج رصد وتصريحات لأطراف في السوق. كما أن رئيس جمعية مربي المواشي زعل الكواليت خالف توصيف الارتفاع بأنه واسع بالدرجة نفسها، وقال إن الزيادة في الخراف البلدية ليست كبيرة مقارنة بأعوام سابقة وإن الضغط ظهر بصورة أوضح على الخراف الصغيرة. لذلك يحتاج المستهلك إلى التعامل مع الأسعار المنشورة بوصفها نطاقات ومؤشرات، لا سعراً مضموناً في كل متجر.
ماذا طلبت جمعية حماية المستهلك؟
دعت الجمعية إلى تدخل حكومي يركز على معرفة الكلفة الحقيقية للاستيراد وهوامش البيع، ووضع سقوف سعرية عند الحاجة، إضافة إلى وقف تصدير أو إعادة تصدير العجول والأبقار المستوردة المخصصة أساساً للسوق المحلية. وتقوم حجتها على أن خروج جزء من المعروض إلى أسواق أخرى قد يضغط على الكميات المتاحة للمستهلك الأردني ويدفع الأسعار إلى الأعلى.
كما تحدثت الجمعية عن مغالاة لدى بعض التجار، ولا سيما في اللحوم المستوردة. لكن وصف المغالاة يظل مطالبة رقابية تحتاج إلى فواتير وكلف استيراد ونقل وذبح وتبريد حتى يتحول إلى مخالفة مثبتة بحق منشأة بعينها. ولم يصدر في المصادر التي راجعتها «الفضاء» قرار حكومي جديد يفرض سقفاً عاماً للأسعار أو يوقف التصدير، ولذلك تبقى هذه إجراءات مقترحة لا قرارات نافذة.
لماذا يرفض مربو المواشي وقف التصدير؟
يرى ممثلو المربين أن التصدير منفذ ضروري لاستدامة القطاع، لأنه يتيح بيع فئات من المواشي قد لا يكون الطلب المحلي عليها كافياً، ويوفر سيولة تساعد المربي على تغطية الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية. ومن هذا المنظور، قد يؤدي المنع الشامل إلى خسارة المنتجين ثم تراجع التربية المحلية لاحقاً، وهو ما يضر المعروض على المدى الأطول.
هذا الاعتراض لا يلغي أثر السعر على الأسر، لكنه يوضح سبب تعقيد القرار. فالسياسة التي تخفض السعر بسرعة عبر إغلاق باب التصدير قد تقلص حافز الإنتاج، بينما ترك السوق بلا رقابة قد يسمح بفروق واسعة لا تفسرها الكلفة. والحل العملي يتطلب بيانات آنية عن أعداد المواشي وأسعار الجملة وكلفة الأعلاف وحجم الاستيراد والتصدير، ثم استهداف الحلقة التي يظهر فيها الخلل بدلاً من اتخاذ إجراء شامل بلا قياس.
كيف تقرأ البيانات الرسمية الأوسع؟
كانت وزارة الزراعة قد قالت في تحديث سابق إن مؤشرات دائرة الإحصاءات العامة أظهرت تراجع مجموعة اللحوم والدواجن 6.86 في المئة خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مع استمرار اتجاه هبوطي في الربع الثاني. كما ربطت استقرار السوق بتوسيع مناشئ الاستيراد وزيادة المعروض وتنويع مصادر التوريد.
لا يتناقض ذلك بالضرورة مع رصد زيادة حديثة في صنف محدد أو منطقة معينة. فالرقم الرسمي يجمع اللحوم والدواجن ويقارن متوسط فترة كاملة بعام سابق، بينما تتحدث جمعية المستهلك عن أسعار حالية للحوم حمراء بلدية في نقاط بيع محددة. وقد تنخفض مجموعة كبيرة في المتوسط في الوقت الذي يرتفع فيه العجل البلدي أو الخروف الصغير خلال أسابيع بعينها.
ما الذي يحدد سعر كيلو اللحم؟
يتأثر السعر بنوع الحيوان وبلد المنشأ وعمره ووزنه، وبما إذا كان السعر للوزن الحي أو للحم بعد الذبح، وبالقطعة المباعة ونسبة العظم والدهن. وتضاف إلى ذلك كلفة العلف والنقل والمسالخ والتبريد وأجور المحل. لهذا قد يبدو رقمان متعارضين بينما يصف كل منهما منتجاً مختلفاً أو مرحلة مختلفة من سلسلة التوريد.
كما أن عبارة «لحم بلدي» تحتاج إلى بطاقة منشأ واضحة وفاتورة، لأن المقارنة العادلة لا تكون بين لحم بلدي طازج ولحم مستورد مبرد أو مجمد. ومن المهم كذلك التمييز بين سعر الذبيحة أو الجملة وسعر التجزئة الذي يتضمن الهدر وتكاليف التشغيل. نشر هذه التفاصيل يجعل الرقابة أدق ويحد من استخدام رقم منفرد لتبرير زيادة لا تنطبق على كل الأصناف.
ماذا يفعل المستهلك الآن؟
يمكن للمشتري مقارنة السعر في أكثر من نقطة بيع، وطلب معرفة المنشأ والقطعة والوزن الصافي قبل الدفع، والاحتفاظ بالفاتورة. وإذا كان السعر المعلن على الرف مختلفاً عن السعر المحسوب، أو غابت بيانات المنشأ، تصبح الفاتورة والصورة الموثقة أساساً لتقديم شكوى إلى الجهات الرقابية المختصة بدلاً من الاكتفاء بمنشور متداول.
ولا يكفي اختيار السعر الأقل وحده؛ سلامة التبريد وختم الذبح وصلاحية المنتج عناصر أساسية. أما الأسر التي تخطط للشراء بكميات، فيفيدها حساب السعر الصافي بعد إزالة العظم والدهن، لأن الفرق الظاهري بين عرضين قد يختفي بعد حساب الجزء القابل للاستهلاك.
ما الذي ينبغي مراقبته تالياً؟
الخطوة الحاسمة هي صدور قراءة رسمية حديثة تفصل اللحوم الحمراء عن الدواجن، وتبين الأسعار حسب المنشأ والمحافظة، إلى جانب موقف واضح من مطالب السقوف السعرية والتصدير. ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كانت الزيادة مؤقتة مرتبطة بالعرض والأوزان المتاحة، أم اتجاهاً يستمر عبر أسابيع.
حتى تظهر هذه البيانات، يبقى الثابت أن هناك شكوى استهلاكية موثقة ونقاشاً معلناً مع المربين، لكن لا توجد بعد تسعيرة وطنية واحدة أو قرار بوقف التصدير. عرض الخلاف بهذه الصورة يمنح المستهلك معلومة قابلة للاستخدام، ويحافظ في الوقت نفسه على حق المنتجين والتجار في ألا تنسب إليهم مخالفات لم تثبتها جهة رقابية.

