أمرت النيابة العامة لدى مجلس قضاء الجزائر، الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بفتح تحقيقات فورية وشاملة بعد تداول مقاطع مصورة تظهر إلقاء مواد غذائية واسعة الاستهلاك وخضروات قيل إنها صالحة للاستهلاك في أماكن تقع خارج النسيج العمراني. وقال بيان النيابة إن الغرض المشتبه فيه هو منع وصول السلع إلى السوق وافتعال الندرة والتأثير في الأسعار.
لا يعني فتح التحقيق أن الأشخاص الظاهرين في المقاطع أُدينوا أو أن كل ما نُسب إليهم ثبت قضائياً. المهمة المعلنة الآن هي التحقق من صحة التسجيلات ومكانها وزمنها، وتحديد هوية المشاركين، وفحص مسار السلع من التخزين والنقل إلى التوزيع. ولم يعلن البيان، وفق المعلومات المتاحة حتى مساء الخميس، أسماء مشتبه فيهم أو عدد الشاحنات أو كمية المواد الملقاة.
ماذا طلبت النيابة العامة؟
وجّه النائب العام مصالح الضبطية القضائية التابعة للأسلاك الأمنية المختصة إلى مباشرة التحقيق تحت إشراف القطب الوطني لمكافحة الجريمة المنظمة. ويشمل ذلك، بحسب البيان، البحث عن كل من ساهم في الأفعال أو حرّض عليها أو موّلها أو استفاد منها، بصرف النظر عن صفته أو موقعه.
كما يتجاوز نطاق التحقيق الأشخاص الذين ظهروا في المقاطع إلى احتمال وجود شبكة أوسع. فالجهات المكلفة مطالبة بتتبع مصدر المواد ومسارات التخزين والنقل والتوزيع، والبحث في وجود تنسيق أو تكرار، ثم تقديم من تثبت صلته أمام الجهات القضائية المختصة. هذه الخطوات مهمة لأن مشهد التخلص من سلعة لا يكشف وحده مالكها أو سبب نقلها أو الجهة التي أصدرت التعليمات.
وصفت النيابة الأفعال موضوع المقاطع بأنها تمس بقوت المواطن والأمن الغذائي والنظام العام الاقتصادي، ورأت أن خطورتها تزداد إذا اتخذت شكلاً منظماً. لكن هذا الوصف يعبّر عن أساس فتح التحقيق والاشتباه الأولي؛ أما التكييف القانوني النهائي والمسؤوليات الفردية فيعتمدان على الأدلة التي ستجمعها الضبطية القضائية وما تقرره جهة التحقيق والمحكمة لاحقاً.
لماذا ترتبط القضية بالمضاربة غير المشروعة؟
يعرّف القانون الجزائري رقم 21-15 الصادر في 28 ديسمبر/كانون الأول 2021 المضاربة غير المشروعة بأنها تخزين أو إخفاء السلع والبضائع بقصد إحداث ندرة واضطراب في التموين، أو إحداث رفع أو خفض مصطنع في الأسعار بوسائل مباشرة أو غير مباشرة أو احتيالية. لذلك يركز التحقيق على النية ومسار السلعة، لا على الإتلاف المادي وحده.
العقوبة الأساسية المنصوص عليها لجريمة المضاربة غير المشروعة هي الحبس من ثلاث إلى عشر سنوات، وتشتد في حالات يحددها القانون، ومنها تعلق الفعل بمواد أساسية أو وقوعه ضمن جماعة إجرامية منظمة أو في ظروف استثنائية. ولا يجوز إسقاط عقوبة بعينها على الواقعة الحالية قبل إعلان الاتهامات وإثبات الوقائع؛ فالبيان تحدث عن تحقيق مفتوح ولم يعلن إحالة متهمين إلى المحاكمة.
ويتيح الإطار القانوني أيضاً تتبع الوسائل والعائدات المرتبطة بالفعل ومصادرة محل الجريمة عند صدور إدانة، مع إمكان فرض عقوبات تكميلية مثل المنع من النشاط وفق شروط الحكم. الغاية من هذه الأحكام ليست معاقبة التلف العرضي أو التخلص الصحي المشروع من غذاء فاسد، بل مواجهة السلوك المتعمد الذي يستهدف تعطيل العرض أو التلاعب بالسوق.
الفرق بين الإتلاف الصحي وإتلاف سلعة صالحة
تُتلف السلطات والمتعاملون الاقتصاديون أغذية منتهية الصلاحية أو ملوثة أو محفوظة في ظروف خطرة بصورة قانونية وتحت إجراءات رقابية. وقد يكون رمي بعض المنتجات ضرورياً لحماية المستهلك إذا أثبتت التحاليل عدم صلاحيتها. لذلك يتعين على التحقيق التحقق من تواريخ الصلاحية وظروف الحفظ ونتائج أي فحوص ومَن أصدر قرار الإتلاف.
أما الادعاء الجاري التحقيق فيه فيختلف جذرياً: مواد صالحة، تُخرج عمداً من دورة التوزيع في أماكن بعيدة، بقصد تقليل المعروض ورفع السعر. إثبات ذلك يحتاج إلى فواتير وسجلات مخزون وبيانات تحميل ومسارات شاحنات واتصالات وربما شهادات عمال وتجار، فضلاً عن فحص النسخ الأصلية للمقاطع بدلاً من الاكتفاء بنسخ متداولة قد تكون مجتزأة.
هذا التفريق يحمي جهتين في وقت واحد: المستهلك من التلاعب بالمواد واسعة الاستهلاك، والمتعامل المشروع من اتهام غير مستند إلى دليل إذا كان التخلص من السلعة تم بأمر صحي موثق. ولهذا لم ينشر البيان حكماً مسبقاً على أشخاص محددين، بل طلب تحقيقاً يحدد الوقائع والصلات والمسؤوليات.
ما الذي يهم المستهلكين والتجار الآن؟
دعت النيابة المواطنين إلى اليقظة والتبليغ عن الممارسات المشابهة لدى المصالح الأمنية أو النيابة العامة. ويكون البلاغ أكثر فائدة عندما يتضمن المكان والوقت ورقم تسجيل المركبة إن أمكن من دون تعريض المبلّغ للخطر، مع الاحتفاظ بالملف الأصلي للمقطع وعدم إضافة ادعاءات غير مؤكدة أو نشر بيانات شخصية على المنصات.
بالنسبة إلى التجار والناقلين، تبرز القضية أهمية حفظ وثائق منشأ السلع والفواتير وأوامر النقل والإتلاف ومحاضر الرقابة. فإذا تلفت شحنة بسبب انقطاع التبريد أو حادث أو ثبوت عدم صلاحيتها، تساعد هذه الوثائق على تفسير ما وقع وتمييزه عن حجب السلعة عمداً. كما ينبغي أن يتم التخلص الصحي في مواقع معتمدة وبالطريقة التي تمنع إعادة تداول المنتج أو تلويث البيئة.
لا يوجد في البيان ما يثبت حدوث نقص فعلي في سلعة محددة أو ارتفاع سعر بعينه بسبب المقاطع. لذلك لا مبرر للشراء المفرط أو نشر قوائم غير رسمية بمواد يُقال إنها ستختفي. مثل هذا السلوك قد يرفع الطلب مؤقتاً ويصنع ضغطاً في المتاجر حتى عندما تكون الإمدادات متاحة.
ما الذي لم يُحسم بعد؟
تبقى أسئلة أساسية بلا إجابة معلنة: أين صُورت المقاطع ومتى؟ ما نوع السلع وكمياتها ومالكها؟ هل أثبت فحص مستقل أنها كانت صالحة؟ هل الوقائع متعددة أم أن المقاطع تصور حادثة واحدة من زوايا مختلفة؟ وهل توجد صلة فعلية بين من نقل المواد وأي جهة تخزين أو توزيع؟
التحديث الحاسم التالي سيكون إعلان النيابة نتائج التحقق الأولي أو توقيف مشتبه فيهم أو تحديد التهم، إن توصل التحقيق إلى أدلة كافية. وحتى ذلك الوقت، الصياغة الدقيقة هي أن القضاء فتح تحقيقاً في مقاطع يشتبه في أنها تظهر إتلاف أغذية صالحة بقصد افتعال الندرة؛ ولم يصدر بعد حكم يثبت وقوع جريمة منظمة أو يدين شخصاً بعينه.

