أعلن حزب العدالة والتنمية في جهة الدار البيضاء–سطات اعتزامه سلوك مسطرة الطعن في نتائج الانتخابات التشريعية داخل ثلاث دوائر هي بنسليمان ومديونة وسيدي بنور، على خلفية اقتراع 23 سبتمبر/أيلول 2026. ويقول الحزب إنه يجمع المحاضر والمعطيات لإعداد ملفات قانونية، بينما لم يصدر بعد حكم قضائي يثبت المزاعم أو يغير النتائج المعلنة.
التطور مهم لأنه ينقل اعتراض الحزب من الخطاب السياسي إلى مسار يفترض أن تحكمه وثائق ومواعيد وإجراءات محددة أمام المحكمة الدستورية. كما أنه يخص الدوائر الثلاث الوحيدة التي لم يفز بها الحزب، وفق حصيلته المعلنة، ضمن دوائر جهة الدار البيضاء–سطات التي حصد فيها 13 مقعداً من أصل 16.
ما الذي قرره الحزب في الدار البيضاء–سطات؟
قالت الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية إنها ستلجأ إلى الطعون والشكايات لدى الجهات المختصة، فيما أفادت تقارير محلية بأن القيادة منحت وكلاء اللوائح المعنيين الضوء الأخضر لاتخاذ الإجراءات القانونية. وتشمل الدوائر المذكورة بنسليمان ومديونة وسيدي بنور، وهي دوائر يقول الحزب إنه كان ينافس فيها على مقاعد نيابية.
بحسب البيان المنسوب إلى التنظيم الجهوي، يستند التحرك إلى محاضر تصويت وملاحظات جمعها ممثلو الحزب يوم الاقتراع. وتحدث الحزب عن استعمال المال لاستمالة ناخبين، وعن ترهيب في بعض المناطق، وعن مشكلات في تسليم نسخ المحاضر أو مطابقتها للمواصفات. هذه اتهامات صادرة عن طرف سياسي منافس، وليست نتائج قضائية نهائية.
التفريق بين الأمرين ضروري: إعلان النية في الطعن لا يعني قبول العريضة شكلاً، كما أن قبولها لا يعني ثبوت مضمونها. المرحلة الحالية، وفق المعلومات المتاحة، هي إعداد ملفات قانونية وتقديمها داخل الأجل، ثم انتظار مسطرة المحكمة وردود الأطراف المعنية وفحص أثر الوقائع المدعى بها في النتيجة.
ما طبيعة المزاعم في الدوائر الثلاث؟
ركزت رواية الحزب على بنسليمان ومديونة عند الحديث عن استمالة ناخبين بالمال عبر وسطاء، بينما أشار إلى ممارسات ترهيب مرتبطة بسيدي بنور. كما تحدث عن تعطل آلات نسخ، ورفض أو تعذر تسليم محاضر لبعض ممثلي اللوائح، أو تسليم وثائق يقول إنها لم تكن مستوفية للشكل المطلوب.
لا تتوافر حتى وقت إعداد هذا التقرير قرارات رسمية تفصل في هذه الادعاءات، ولا يجوز التعامل معها بوصفها وصفاً مثبتاً لما جرى. الأطراف المنافسة والسلطات الانتخابية تملك حق الرد، والمحكمة وحدها تقيم الأدلة وتحدد إن كان أي إخلال ثابتاً ومؤثراً في صحة الانتخاب أو في توزيع المقاعد.
هذا التحفظ لا يلغي أهمية المحاضر. فالطعن الانتخابي لا يقوم على الانطباع العام، بل يحتاج إلى تحديد المكتب أو القرار محل المنازعة، ووصف الواقعة، وإرفاق ما يعززها من وثائق. لذلك سيكون مضمون العرائض الفعلية، لا البيان السياسي وحده، هو العنصر الأهم عند بدء النظر القانوني.
كيف تسير الطعون الانتخابية في المغرب؟
تختص المحكمة الدستورية بالمنازعات المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين. وبموجب القواعد المنشورة لديها، يحدد أجل الطعن في انتخاب أعضاء البرلمان في ثلاثين يوماً تلي تاريخ إعلان نتيجة الاقتراع. ويمكن إيداع العريضة المكتوبة لدى الأمانة العامة للمحكمة أو لدى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم أو لدى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي جرى الانتخاب في دائرتها.
العريضة يفترض أن تكون مدعمة بالوثائق والمستندات التي يعتمد عليها الطاعن، ويُسلّم مقابل الإيداع وصل يثبت التاريخ وقائمة المرفقات. بعد ذلك يمكن للمحكمة تبليغ المذكرات الجوابية للأطراف المعنية وتحديد أجل للرد. وهذه المسطرة تعني أن تقديم الطعن بداية للنزاع القانوني، لا حكماً مسبقاً لصالح مقدمه.
للمحكمة أن تقضي بعدم قبول العريضة لأسباب إجرائية، أو برفضها إذا لم تثبت المآخذ أو لم يظهر أثرها في النتيجة، كما يمكنها إبطال الانتخاب جزئياً أو كلياً أو تصحيح النتيجة وفق ما يتيحه القانون. ولا تُستخلص النتيجة من حجم الاتهامات في الإعلام، بل من الأدلة ومدى اتصالها المباشر بسلامة الاقتراع.
لماذا تهم هذه الطعون الخريطة السياسية الجديدة؟
عاد حزب العدالة والتنمية إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً في انتخابات 2026، بعد أن كان قد حصل على 13 مقعداً في انتخابات 2021. ورغم هذا الصعود، اختار المجلس الوطني للحزب الاصطفاف في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة المقبلة. لذلك فإن أي تغيير محتمل في المقاعد الثلاثة لن يكون تفصيلاً محلياً فقط، بل قد يؤثر في الوزن العددي للمعارضة داخل المجلس.
في جهة الدار البيضاء–سطات تحديداً، يقول الحزب إنه فاز في 13 دائرة من أصل 16. وهذا يفسر تركيزه على الدوائر المتبقية، لكنه لا يشكل بذاته دليلاً على وقوع مخالفة فيها. الفوز الواسع في جهة ما لا يمنح الحزب حقاً تلقائياً في المقاعد الأخرى، مثلما أن الخسارة لا تسقط حقه في اللجوء إلى القضاء إذا امتلك أسباباً ووثائق قابلة للفحص.
يأتي التحرك أيضاً في وقت تتواصل فيه مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات 23 سبتمبر. وقد أكد الحزب أن موقعه سيكون في المعارضة، ما يجعل عمله البرلماني المقبل مرتبطاً بقدرته على بناء رقابة سياسية وقانونية، وليس فقط بعدد المقاعد. والطعون الحالية ستكون اختباراً مبكراً للفصل بين الاعتراض السياسي والمسار المؤسساتي.
ما الذي ينبغي مراقبته تالياً؟
أول ما يجب مراقبته هو تأكيد إيداع العرائض فعلياً، وتاريخ كل إيداع، والقرارات أو المكاتب الانتخابية التي تستهدفها. فالتقارير الحالية تتحدث عن اعتزام وإعداد ملفات، ولا تقدم أرقام قضايا صادرة عن المحكمة. كما سيكون مهماً معرفة ما إذا كانت الشكايات الجنائية المحتملة ستسير منفصلة عن الطعون المتعلقة بصحة المقاعد.
الخطوة الثانية هي ردود المرشحين الفائزين والسلطات المعنية على الوقائع المنسوبة إليهم أو إلى العملية الانتخابية. الحياد يقتضي عدم تبني رواية أي طرف قبل سماع بقية الأطراف وظهور الوثائق. وقد تنتهي بعض المآخذ إلى عدم القبول أو الرفض، بينما قد ترى المحكمة أن بعضها يستدعي تحقيقاً أوسع.
حتى صدور قرار قضائي، تبقى النتائج المعلنة نافذة، ويبقى النواب المنتخبون في مراكزهم القانونية. المؤكد الآن هو أن العدالة والتنمية اختار تحدي نتائج بنسليمان ومديونة وسيدي بنور عبر المسطرة القانونية؛ أما ثبوت الخروقات أو أثرها في المقاعد، فهو سؤال لم يُحسم بعد وسيعتمد على ما يقدمه الأطراف وما تقرره المحكمة الدستورية.

