قالت القوات الحكومية اليمنية، الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إنها انتزعت أجزاء واسعة من مديرية ذوباب ومواقع استراتيجية مطلة على مضيق باب المندب غربي محافظة تعز، في أول تقدم ميداني كبير تعلنه منذ إطلاق العملية العسكرية الجديدة ضد جماعة الحوثيين. وأفادت مصادر عسكرية وحكومية بأن قوات من «درع الوطن» و«ألوية العمالقة» نفذت الهجوم بإسناد جوي من التحالف الذي تقوده السعودية.
لا تزال صورة السيطرة الكاملة بحاجة إلى تثبيت مستقل. فالإعلام التابع للحوثيين نفى في وقت مبكر حدوث تقدم حكومي في المنطقة، بينما قالت وكالة الأنباء اليمنية التابعة للحكومة إن القوات دخلت ذوباب وقطعت طرق إمداد مؤدية إلى المضيق. وذكرت وكالة رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر عسكرية ومصدر حكومي، أن القوات سيطرت على مساحات واسعة من المديرية وتعمل على تثبيت مواقعها، من دون أن تعتبر كل تفاصيل المعركة محسومة.
ماذا حدث في ذوباب؟
بدأ الهجوم صباح الاثنين على مواقع حوثية في ذوباب، وهي مديرية ساحلية تقابل جزيرة ميون وتقع عند الضفة اليمنية من باب المندب. وقال متحدث عسكري موالٍ للحكومة إن العملية شملت محاور عدة حول الساحل، وإن القوات تقدمت نحو المطار العسكري وطرق الربط بين ذوباب والمخا. كما أعلنت الحكومة أن وحداتها تواصل التمشيط وتأمين المواقع التي دخلتها.
استخدم البيان الحكومي تعبير «السيطرة على باب المندب»، لكن هذا الوصف ينبغي قراءته بحذر. فالمضيق مساحة بحرية دولية تحيط بها سواحل وجزر وممرات متعددة، والسيطرة على موقع بري أو مطار لا تعني تلقائياً التحكم الكامل في الملاحة. الأدق حتى تتوافر أدلة مستقلة هو القول إن القوات الحكومية أعلنت استعادة مواقع مؤثرة على الجانب اليمني من المضيق.
كذلك لم تتوافر حصيلة مستقلة للضحايا أو للمعدات التي دمرت. وتضمنت بيانات عسكرية أرقاماً وادعاءات عن محاصرة مقاتلين وفرار آخرين بحراً، لكن تعذر التحقق منها خارج رواية الطرف المعلن. لذلك تقتصر الخلاصة المؤكدة على وقوع هجوم واسع، وتقدم أبلغت عنه مصادر حكومية وعسكرية، واستمرار تنازع الروايات بشأن الحجم النهائي للسيطرة.
تطور يتجاوز إعلان بدء العملية
يأتي هجوم ذوباب بعد يوم واحد من إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء حملة عسكرية أوسع لاستعادة مناطق تسيطر عليها جماعة الحوثيين. كان إعلان الأحد سياسياً وعسكرياً في الأساس، أما تطورات الاثنين فتمثل أول اختبار ملموس لقدرة القوات الحكومية على تغيير خريطة الميدان عند الساحل الغربي.
سمت الحكومة الحملة «فجر اليمن»، وقالت إنها تستهدف استعادة مؤسسات الدولة والمناطق التي خسرتها خلال تقدم الحوثيين الأخير. وأعلن التحالف بقيادة السعودية توفير غطاء جوي للقوات الحكومية وتأمين المجال حول باب المندب. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من عدد الطائرات أو الأهداف التي أعلن التحالف إصابتها، وهو ما يجعل نتائج الأرض أهم من أرقام البيانات العسكرية في تقييم مسار العملية.
في المقابل، لا يقتصر القتال على الساحل. تشهد مناطق داخل محافظة تعز جبهات متزامنة، وأعلنت جماعة الحوثيين تقدماً في مناطق أخرى قرب طرق تربط تعز بعدن. هذا التداخل يعني أن مكسباً حكومياً في ذوباب قد يتزامن مع ضغط حوثي في جبهة مختلفة، وأن قراءة الحرب من خبر واحد قد تعطي انطباعاً ناقصاً عن ميزان القوة.
لماذا تعد ذوباب وباب المندب مهمين؟
تقع ذوباب على شريط ساحلي شديد الحساسية، قبالة جزيرة ميون الواقعة داخل المضيق. ويصل باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ثم يربط حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس والبحر المتوسط. لهذا لا تقتصر أهمية المنطقة على أطراف النزاع اليمني، بل تمتد إلى ناقلات الطاقة وسفن الحاويات والتأمين البحري وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
تقدر تقارير دولية مرور حصة مهمة من التجارة العالمية عبر هذا الممر، وقد أصبح أكثر حساسية مع الاضطراب في طرق طاقة أخرى بالمنطقة. لكن أي تغيير في أسعار النفط أو تكاليف الشحن لا يمكن نسبه إلى تقدم ذوباب وحده؛ فالسوق يتأثر أيضاً بالمخاطر في مضيق هرمز والهجمات على السفن وقرارات شركات النقل ومساراتها البديلة.
الأثر المباشر الذي ينبغي مراقبته هو سلامة العبور. إذا ثبت استقرار السيطرة على مواقع الساحل وتراجعت القدرة على استهداف السفن، فقد تنخفض المخاطر تدريجياً. أما إذا تحول المضيق إلى خط مواجهة نشط بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقوارب، فقد ترتفع أقساط التأمين وتتردد شركات في إعادة سفنها إلى الطريق. لا توجد حتى الآن نتيجة نهائية تسمح بالجزم بأي من المسارين.
المشهد الإنساني يزيد حساسية المعركة
تدور المعارك في محافظة تعز بعد موجة نزوح واسعة وتراجع قدرة المرافق الصحية. وقالت الأمم المتحدة إن جولة التصعيد الأخيرة قتلت أكثر من 800 شخص وأصابت أكثر من 3600، فيما اضطر أكثر من 145 ألفاً إلى النزوح داخل اليمن، وعبر أكثر من ثلاثة آلاف شخص البحر إلى جيبوتي. وهذه أرقام تراكمية للتصعيد الأخير، وليست حصيلة هجوم ذوباب وحده.
حذرت السلطات الصحية في مناطق الحكومة من إغلاق منشآت أو عملها بقدرة جزئية في أجزاء من تعز. ومع انتقال القتال إلى الساحل، تصبح الطرق الآمنة ووصول سيارات الإسعاف وإمدادات الوقود والماء والغذاء عوامل حاسمة للسكان. كما أن الألغام ومخلفات القتال قد تمنع العودة السريعة حتى إذا تبدلت السيطرة العسكرية.
على جميع الأطراف التزام حماية المدنيين وعدم استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية، والسماح بوصول المساعدات. ولا تعني بيانات «التحرير» أو «التطهير» انتهاء المخاطر على السكان؛ فالمرحلة التي تلي القتال تحتاج إلى فحص الطرق والمباني، وإتاحة معلومات دقيقة عن المناطق الخطرة، وتجنب الانتقام أو الاعتقال على أساس الانتماء المناطقي.
ما الذي لم يُحسم بعد؟
أول الأسئلة هو مدى السيطرة الفعلية داخل مديرية ذوباب وعلى المطار والطرق المحيطة، وما إذا كانت القوات ستتمكن من الاحتفاظ بمواقعها بعد انتهاء موجة الإسناد الجوي الأولى. ويأتي بعد ذلك وضع جزيرة ميون والطريق الساحلي إلى المخا، لأنهما يؤثران مباشرة في قدرة أي طرف على الإمداد والمراقبة حول المضيق.
السؤال الثاني يتعلق برد الحوثيين، سواء بهجوم مضاد على الساحل أو بضغط أكبر في جبهات تعز الداخلية أو باستهداف منشآت وممرات خارج المنطقة. وقد أظهرت جولات سابقة أن خريطة السيطرة قد تتغير سريعاً، وأن إعلان طرف لا يغني عن المقارنة بين صور ميدانية ومصادر متعددة وبيانات الجهات البحرية.
حتى تتضح هذه العناصر، تمثل ذوباب تطوراً جديداً ومهماً بعد إعلان العملية الحكومية، لكنها ليست نهاية معركة باب المندب. الثابت أن القتال وصل إلى أحد أكثر المواقع حساسية في اليمن والمنطقة، وأن نتيجة الأيام التالية ستقاس بقدرة القوات على تثبيت مواقعها، وبسلامة الملاحة، وبحجم الكلفة التي يتحملها المدنيون.

