تكنولوجيا

الوكالة الذرية تشيد باستجابة الإمارات لحادث محطة براكة

بعثة دولية تراجع استجابة محطة براكة والجهات الإماراتية لفقدان التغذية الكهربائية الخارجية في مايو، وتؤكد فاعلية الإجراءات مع توصية بمواصلة التحسين.

بصمة النشر 6817637358
منشأة نووية بأربع وحدات على ساحل صحراوي
منشأة نووية بأربع وحدات على ساحل صحراوي

اختتمت بعثة خبراء تابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية مراجعة فنية في دولة الإمارات خلصت إلى أن السلطات الوطنية ومشغّل محطة براكة للطاقة النووية تعاملا بصورة مناسبة مع حالة الطوارئ التي وقعت في 17 مايو 2026، عندما أدى استهداف منشأة كهربائية خارج النطاق الداخلي للمحطة إلى فقدان التغذية الكهربائية الخارجية للوحدة الثالثة. وتكتسب الخلاصة أهميتها لأنها لا تقتصر على مراجعة أوراق وخطط سابقة، بل جاءت بعد زيارة ميدانية وتحليل للإجراءات التي نُفذت فعلياً أثناء الحدث.

استمرت البعثة من 12 إلى 20 أكتوبر بطلب من حكومة الإمارات، وضمت ستة خبراء راجعوا أداء المحطة، ودور الجهات الوطنية، وترتيبات الاتصال بين المشغّل والهيئة الاتحادية للرقابة النووية. وأشادت الوكالة بسرعة تفعيل إجراءات الطوارئ، وإبلاغ الجهات الوطنية والدولية، والمحافظة على وظائف الأمان، مع تشجيع المحطة على استكمال الإجراءات التنظيمية والفنية المستخلصة من تقييم الحادث.

ماذا قالت البعثة عن الاستجابة؟

الخلاصة الأساسية هي أن فريق التشغيل أدار الواقعة بفاعلية، بينما واصلت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية المتابعة والرقابة بوصفها الجهة التنظيمية المستقلة. وشملت الاستجابة استخدام الإجراءات المعتمدة سلفاً، والمحافظة على الاتصال المؤسسي، وتقديم معلومات عامة في وقت كان فيه أي غموض حول منشأة نووية قادراً على إثارة قلق واسع داخل الإمارات وخارجها.

لا تعني الإشادة أن المراجعة انتهت إلى عدم وجود مجال للتحسين. بعثات الوكالة من هذا النوع تقارن الممارسة الفعلية بالخطط والمعايير، ثم تحدد دروساً يمكن تحويلها إلى تعديلات في التدريب والتجهيز والمسؤوليات وقنوات الاتصال. ولهذا جاء في خلاصة البعثة أن على المحطة مواصلة تنفيذ التدابير التنظيمية والتقنية التي حددتها مراجعة الدروس المستفادة من الحدث.

ما الذي حدث في 17 مايو؟

وقع الاستهداف عند مولّد كهربائي خارج المحيط الداخلي للمحطة، وأدى إلى حريق وفقدان التغذية الكهربائية الخارجية للوحدة الثالثة. وتشير البيانات التي أُعلنت في حينه إلى أن أنظمة الديزل الاحتياطية بدأت العمل للمحافظة على إمدادات الكهرباء اللازمة لوظائف الأمان، قبل استعادة التغذية الخارجية. كما بقيت مستويات الإشعاع في محيط المحطة ضمن المعدلات الطبيعية، ولم يُعلن عن إطلاق إشعاعي.

هذه التفاصيل مهمة لأن عبارة «فقدان الكهرباء» قد تُفهم خطأ على أنها توقف فوري لجميع نظم الأمان. المحطات النووية مصممة بطبقات متعددة من مصادر الطاقة والإجراءات الاحتياطية، إذ تحتاج أنظمة المراقبة والتبريد والتحكم إلى كهرباء مستمرة حتى عند توقف إنتاج الوحدة أو انقطاع الشبكة الخارجية. لذلك ركزت المراجعة على التسلسل الفعلي: كيف انتقلت الأنظمة إلى البدائل، وكيف تابع المشغّل الحالة، ومتى استعيدت التغذية، وكيف نُقلت المعلومات إلى الجهة الرقابية والجمهور.

ماذا راجع خبراء الوكالة داخل المحطة؟

زار الفريق المناطق المتأثرة ومرافق رئيسية مخصصة للاستجابة للطوارئ، وراجع إجراءات التشغيل والطوارئ، واجتمع بالإدارة العليا والكوادر الفنية في محطة براكة والهيئة الاتحادية للرقابة النووية. كما تناولت المراجعة قدرة المنظومة الوطنية على تنسيق الاستجابة، وليس أداء غرفة تشغيل واحدة فقط، لأن الحادث النووي أو الإشعاعي المحتمل يتطلب اتصالاً متزامناً بين المشغّل والمنظم وفرق الطوارئ والجهات الحكومية.

وركز الخبراء على أربعة محاور مترابطة: إجراءات المحطة أثناء فقدان مصدر الكهرباء الخارجي، والترتيبات الوطنية للاستعداد والاستجابة، والدروس المستفادة منذ مايو، والتدابير التي يعتمدها المشغّل لضمان استمرار وظائف الأمان. ويفرق هذا النطاق بين تقييم الحادث نفسه وتقييم جاهزية المؤسسات للتعامل مع سيناريوهات أخرى قد تختلف في شدتها أو مدتها.

لماذا تعد براكة منشأة ذات أهمية إقليمية؟

تقع محطة براكة في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، وتضم أربع وحدات من مفاعلات APR-1400. وهي أول محطة تجارية للطاقة النووية في العالم العربي، وتبلغ قدرتها الإجمالية نحو 5.6 غيغاواط، بما يجعل استمرارية تشغيلها وأمانها مسألة تمس شبكة الكهرباء الإماراتية والسياسة الإقليمية للطاقة النظيفة، لا قطاعاً فنياً محدوداً داخل موقع واحد.

سبق للإمارات أن استضافت في 2021 تمرين الطوارئ الدولي «كونفكس-3» بمشاركة عشرات الدول ومنظمات دولية. ويقدم ذلك خلفية لفهم لماذا بحثت البعثة الحالية ما إذا كانت الخطط والتدريبات السابقة انعكست على الأداء العملي. فالجاهزية لا تُقاس بعدد الوثائق فقط، بل بسرعة القرار، ووضوح الصلاحيات، وقدرة الأجهزة الاحتياطية، ودقة المعلومات التي تصل إلى الناس والشركاء الدوليين.

ما الذي تعنيه النتيجة للجمهور؟

بالنسبة إلى السكان، تؤكد النتيجة المنشورة أن الحدث لم يتحول إلى طارئ إشعاعي وأن الإجراءات المتخذة حافظت على الأمان ومنعت التصعيد. لكنها لا تلغي أهمية المتابعة؛ فاستهداف بنية كهربائية مرتبطة بمحطة نووية يظل حادثاً أمنياً خطيراً حتى عندما تعمل وسائل الحماية كما خُطط لها. كما أن سلامة المفاعلات وأمن الموقع مجالان متداخلان لكنهما ليسا الشيء نفسه: الأول يتعلق باستمرار وظائف الأمان، والثاني بمنع التهديد والوصول غير المصرح به وحماية المنشأة من الهجمات.

ومن المنتظر أن تتحول ملاحظات الخبراء إلى إجراءات قابلة للقياس داخل المحطة والجهات المعنية، مثل تحديث السيناريوهات التدريبية، ومراجعة مرونة مصادر الكهرباء، وتدقيق قنوات الاتصال، واختبار الخطط بعد إدخال التعديلات. ولم تُنشر بعد في التغطية المتاحة قائمة تفصيلية بكل إجراء أو موعد تنفيذه، ولذلك يبقى التقرير الفني اللاحق وبيانات الهيئة الرقابية من أهم ما ينبغي متابعته.

ما الذي يجب مراقبته لاحقاً؟

المؤشر الأهم ليس تكرار عبارات الإشادة، بل إعلان ما أُنجز من توصيات البعثة ونتائج الاختبارات اللاحقة. ويشمل ذلك أي تحديثات على ترتيبات الطاقة الاحتياطية، والتنسيق بين المشغّل والجهة الرقابية، وتدريبات الاتصال العام، إضافة إلى استمرار نشر قياسات الإشعاع والمعلومات التشغيلية عند وقوع أي حدث يؤثر في الموقع.

تمنح المراجعة الإمارات تقييماً دولياً إيجابياً لاستجابتها في مايو، لكنها تضع أيضاً معياراً علنياً للمرحلة المقبلة: الاحتفاظ بالجاهزية التي أثبتت فاعليتها، وتحويل الدروس المستفادة إلى تحسينات دائمة. وهذا هو الفارق بين نجاح الاستجابة لواقعة واحدة وبناء قدرة مؤسسية تستطيع الصمود أمام وقائع مختلفة في المستقبل.

ليان الحربي

مديرة الملفات النوعية