أخبار

بوعياش تدعو المغرب إلى حسم إلغاء عقوبة الإعدام

رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان تطالب الحكومة والبرلمان بتحويل وقف التنفيذ منذ 1993 إلى إلغاء صريح في القانون.

بصمة النشر ea1813716b
قاعة اجتماعات تشريعية مغربية تتوسطها راية المملكة
قاعة اجتماعات تشريعية مغربية تتوسطها راية المملكة

دعت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، الحكومة والبرلمان إلى إدراج الإلغاء القانوني لعقوبة الإعدام ضمن الأولويات التشريعية، معتبرة أن استمرار وقف التنفيذ فعلياً منذ أكثر من ثلاثة عقود ينبغي أن يتبعه حسم واضح في النصوص الجنائية.

جاءت الدعوة خلال لقاء سنوي عقده المجلس في الرباط يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 لمناقشة عقوبة الإعدام. وهي لا تعني أن المغرب ألغى العقوبة بالفعل، ولا أنها قرار حكومي أو مشروع قانون أُحيل إلى البرلمان؛ بل هي توصية مؤسساتية جديدة تطلب الانتقال من وضع التعليق العملي إلى الإلغاء القانوني.

ماذا طلبت بوعياش من الحكومة والبرلمان؟

ركزت بوعياش على ضرورة اتخاذ خطوات تشريعية تنهي بقاء العقوبة في المنظومة القانونية، وقالت إن الولاية الحكومية الحالية تتيح فرصة لحسم الملف. كما دعت إلى تجاوز التردد الذي أبقى الفجوة قائمة بين الممارسة، حيث لم تنفذ أحكام الإعدام منذ 1993، وبين القانون الذي لا يزال يسمح للمحاكم بإصدارها في جرائم محددة.

وعرضت الدعوة الإلغاء بوصفه جزءاً من حماية الحق في الحياة، لا بوصفه تقليلاً من خطورة الجرائم أو تجاهلاً لحقوق الضحايا. وشدد الخطاب المصاحب للقاء على أن «أنسنة النقاش» لا تساوي بين الضحية والجاني، وإنما تبحث عن عدالة تعاقب وتحمي المجتمع من دون سلب الحياة.

وأعلن المجلس توجهاً إلى إعداد برنامج عمل مشترك مع الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام وشركاء آخرين خلال الأشهر المقبلة. ويعني ذلك أن المرحلة التالية المتوقعة هي ترافع منظم واقتراحات قانونية وحوار مع السلطتين التنفيذية والتشريعية، وليس تغيراً فورياً في الأحكام القائمة.

وقف التنفيذ ليس إلغاءً قانونياً

يعيش المغرب منذ 1993 في وضع يوصف دولياً بأنه وقف فعلي لتنفيذ عقوبة الإعدام. فالسلطات لم تنفذ حكماً خلال هذه الفترة، لكن المحاكم قد تصدر أحكاماً بالإعدام لأن العقوبة ما زالت موجودة في التشريع. وهذا الفارق هو جوهر الدعوة الحالية.

في الوقف الفعلي، يمكن أن يستمر صدور أحكام جديدة، ويظل المحكوم عليهم في انتظار العفو أو تخفيف العقوبة أو مراجعة الحكم. أما الإلغاء القانوني فيتطلب تعديل النصوص التي تنص على الإعدام واستبداله بعقوبات أخرى، ثم تحديد أثر التعديل في الأحكام السابقة وفق القواعد الدستورية والجنائية المعمول بها.

وتشير وثائق أممية إلى أن المغرب عرض منذ سنوات توجهاً لتقليص الجرائم المعاقب عليها بالإعدام وحصرها في أخطر الجرائم، مع مناقشة ضمانات أشد عند النطق بالحكم. لكن التقليص يختلف بدوره عن الإلغاء الكامل، وهو ما يفسر مطالبة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخطوة تشريعية صريحة.

لماذا عاد الملف إلى الواجهة الآن؟

يأتي طرح الملف مع بداية مرحلة حكومية وتشريعية جديدة، وفي أعقاب تحولات تدريجية في موقف المغرب بالمحافل الدولية. ففي ديسمبر 2024 صوتت المملكة لأول مرة لصالح قرار أممي يدعو إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام على مستوى العالم، بعد سنوات من الامتناع. ورأى المجلس الحقوقي في ذلك مؤشراً سياسياً يمكن البناء عليه داخلياً.

كما يستند المدافعون عن الإلغاء إلى طول مدة وقف التنفيذ: 33 عاماً من دون تنفيذ حكم حتى 2026. ومن وجهة نظرهم، أثبتت هذه الفترة أن إدارة العدالة الجنائية والأمن العام لم تتوقف على تنفيذ العقوبة، وأن تحويل الواقع القائم إلى قانون سيزيل حالة الانتظار وعدم اليقين.

في المقابل، يظل الملف حساساً مجتمعياً بسبب ارتباطه بجرائم جسيمة وحقوق الضحايا والنقاش حول الردع والعقاب. لذلك ركزت بوعياش على صياغة لا تلغي معاناة الضحايا، بل تفصل بين واجب محاسبة مرتكب الجريمة وبين اختيار نوع العقوبة التي يقرها القانون.

ماذا تقول المعايير الدولية؟

تقر المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قيوداً مشددة على استخدام الإعدام في الدول التي لم تلغه، وتدعو منظومة الأمم المتحدة إلى قصره على أشد الجرائم خطورة تمهيداً للإلغاء. كما ينص البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد على التزام الدول الأطراف بإلغاء العقوبة.

سبق للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن رحبت بوقف التنفيذ الفعلي في المغرب، لكنها أبدت قلقاً من استمرار العقوبة في القانون ومن صدور أحكام بها. وأوصت بحصرها، وتخفيف أحكام الموجودين في أروقة الإعدام، وتعزيز الوعي العام بالإلغاء، والنظر في الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني.

ولا تحول هذه التوصيات الدولية وحدها العقوبة داخل المغرب إلى حكم ملغى؛ فالتغيير الداخلي يحتاج إلى مسار تشريعي وقرارات سيادية محددة. لذلك ينبغي التمييز بين دعم قرار أممي لوقف التنفيذ وبين التصديق على اتفاق ملزم أو تعديل القانون الجنائي.

ما الخطوات المطلوبة حتى يصبح الإلغاء نافذاً؟

يبدأ المسار العملي عادة بمشروع أو مقترح قانون يحدد المواد المطلوب تعديلها والعقوبات البديلة، ثم مناقشته والتصويت عليه في البرلمان واستكمال إجراءات إصداره ونشره. ويحتاج النص كذلك إلى معالجة وضع الأشخاص الذين سبق أن صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، سواء عبر الاستبدال القانوني أو التخفيف أو آليات العفو القائمة.

كما يمكن للمغرب، في مسار منفصل لكنه مكمل، دراسة الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني. وهذه الخطوة تتطلب إجراءات دستورية ودبلوماسية، ولا تحدث تلقائياً بمجرد إعلان المجلس الوطني لحقوق الإنسان موقفه.

حتى الآن، المؤكد هو تجدد الدعوة المؤسساتية ووضع الملف أمام الحكومة والبرلمان. أما موعد تقديم نص تشريعي، وصيغته، ونطاق الجرائم التي سيشملها، ومصير الأحكام السابقة، فكلها أسئلة لم تحسم بعد. وستكون العلامة الفاصلة هي ظهور مشروع قانون رسمي بجدول زمني واضح، لا مجرد استمرار النقاش العام.

ياسين الإدريسي

مدير الشؤون العربية