أخبار

تونس تضبط 70 كيلوغراماً من الذهب وتوقف 13 شخصاً

تحقيق أمني في تونس يلاحق شبكة يُشتبه في إدخال ذهب مجهول المصدر إلى السوق عبر شركات وسجلات توريد، مع حجز ذهب وفضة وسيارات وأموال.

بصمة النشر bea4993aac
مجوهرات وسبائك ذهب داخل غرفة فحص الأدلة
مجوهرات وسبائك ذهب داخل غرفة فحص الأدلة

أعلنت السلطات الأمنية في تونس توقيف 13 شخصاً في قضية يُشتبه في ارتباطها بغسل الأموال والاتجار بذهب مجهول المصدر، بعد تحقيقات استهدفت مسارات بيع الذهب المخصص للصهر. وأسفرت العملية، بحسب المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام تونسية عن الإدارة العامة للأمن الوطني، عن حجز أكثر من 70 كيلوغراماً من الذهب و4.5 كيلوغرامات من الفضة، إضافة إلى مبلغ نقدي يتجاوز 120 ألف دينار وتسع سيارات فاخرة.

القضية لا تتعلق بمجرد مخالفة تجارية أو بضائع من دون فواتير. الشبهة الأساسية هي إنشاء واجهات قانونية وإدارية تسمح بإدخال ذهب لا يُعرف مصدره إلى دورة البيع النظامية، ثم إظهار معاملاته كما لو كانت ناتجة عن نشاط مشروع. لهذا تجمع التحقيقات، وفق المعلومات الأولية، بين شبهات غسل الأموال والتهرب الضريبي والتزوير واستعمال وثائق أو سجلات على نحو غير قانوني.

ماذا أعلنت الجهات الأمنية؟

بدأ الملف لدى الإدارة الفرعية للأبحاث الاقتصادية والمالية التابعة للشرطة العدلية بالقرجاني. وتقول الرواية الأمنية إن أعمال المراقبة والتحري ركزت على شبكات توريد الذهب الموجه للصهر وعلى العلاقة بين تجار وأصحاب مصانع أو ورش ناشطة في قطاع المصوغ. وانتهت المرحلة الأولى إلى وضع 13 شخصاً رهن الاحتفاظ، وهو إجراء تحقيقي لا يعني صدور إدانة بحق أي منهم.

تشمل التتبعات المعلنة تكوين وفاق بقصد الاعتداء على الأملاك، والتزوير واستعمال المزور، وغسل الأموال ضمن مجموعة منظمة، مع الاشتباه في استغلال صفة أو نشاط مهني واجتماعي. ولم تُعلن أسماء الموقوفين أو الشركات موضوع التحقيق، كما لم تصدر حتى الآن أحكام قضائية نهائية تثبت المسؤولية الفردية لأي شخص.

كيف يُشتبه في تمرير الذهب؟

وفق المعطيات الأولية، يُشتبه في أن الشبكة أنشأت شركات واجهة واستخدمت سجلات توريد وشراء تخص عدداً من الحرفيين. وظيفة هذه الآلية، كما تشرحها التحقيقات المنشورة، هي منح معاملات الذهب غطاءً ورقياً يسمح بإدخاله إلى القنوات القانونية وتخفيف القدرة على تتبع أصله، مع تفادي جانب من الالتزامات الجبائية.

ويكتسب الصهر أهمية في هذا النوع من الملفات لأنه يغيّر شكل القطع والمصوغ ويجعل ربط المعدن بمصدره السابق أكثر صعوبة إذا لم تكن سلسلة الشراء والفواتير والسجلات مكتملة. لكن وجود ذهب مخصص للصهر لا يشكل في حد ذاته دليلاً على جريمة؛ محور القضية هو المصدر المجهول المزعوم، وطريقة توثيق الشراء، وما إذا كانت الشركات والسجلات قد استُخدمت عمداً لإخفاء حركة المعدن أو عائداته.

وتقدر الأجهزة الأمنية أن الكمية التي مرت عبر المنظومة المشتبه بها خلال ست سنوات تقترب من طنين من الذهب. هذا الرقم تقدير وارد في نتائج البحث الأولي وليس كمية ضُبطت دفعة واحدة. أما المحجوز الفعلي المعلن في العملية الأخيرة فهو أكثر من 70 كيلوغراماً من الذهب، إلى جانب الفضة والنقد والسيارات.

المحجوزات لا تساوي حكماً بالمصادرة

أفادت التقارير بأن الجهات المختصة حجزت تسع سيارات فاخرة قدرت قيمتها الإجمالية بنحو 25 مليون دينار، فضلاً عن الذهب والفضة والمبلغ النقدي. والحجز هنا يهدف إلى حماية أدلة أو أصول محتملة إلى أن تتضح صلتها بالملف. ولا يعني ذلك تلقائياً انتقال ملكيتها بصورة نهائية إلى الدولة؛ فالمصادرة النهائية تخضع لما ينتهي إليه التحقيق والقرارات القضائية وحقوق الأطراف في الدفاع والطعن.

كما تحدثت المعطيات الأمنية عن الاشتباه في توجيه عائدات العمليات إلى مشاريع وعقارات وأراضٍ ومقتنيات مرتفعة القيمة. وما يزال على المحققين إثبات مسار الأموال، والملكية الفعلية للأصول، والعلاقة بين كل أصل والنشاط موضوع الشبهة. وتبقى الفوارق بين ملكية الشركات والملكية الشخصية والمستفيد الحقيقي من المسائل التي تحتاج إلى وثائق مالية وتجارية، لا إلى الاستنتاج من قيمة المحجوزات وحدها.

ماذا يقول القانون التونسي؟

يعرّف القانون الأساسي التونسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال الجريمة بأنها أفعال تهدف إلى تبرير المصدر غير المشروع للأموال أو إخفائه أو تمويهه أو إدماج العائدات غير المشروعة في الاقتصاد. وينص القانون كذلك على أن جريمة غسل الأموال يمكن أن تُبحث بصورة مستقلة عن الجريمة الأصلية متى توفرت قرائن وأدلة كافية بشأن عدم شرعية المصدر.

وتتدرج العقوبات بحسب الظروف المثبتة قضائياً، وتصبح أشد عندما ترتكب الأفعال ضمن مجموعة منظمة أو باستغلال تسهيلات يتيحها نشاط مهني أو اجتماعي. لكن ذكر العقوبات القانونية لا يعني انطباقها تلقائياً على الموقوفين في هذه القضية؛ فذلك يتوقف على توصيف النيابة للوقائع، وما يثبته التحقيق، ثم قرار المحكمة.

لماذا تهم القضية سوق المصوغ؟

يعتمد قطاع الذهب على الثقة في العيار والوزن والمصدر وسلامة الفاتورة. وعندما يدخل معدن مجهول المصدر إلى السوق عبر سجلات غير دقيقة، لا يقتصر الأثر المحتمل على الضرائب؛ فقد تتضرر قدرة الحرفيين النظاميين على المنافسة، ويصبح تتبع البضاعة عند البيع اللاحق أكثر تعقيداً، كما تزيد مخاطر استخدام الأصول مرتفعة القيمة في نقل الأموال أو تخزينها بعيداً عن المسارات المالية المعتادة.

وفي المقابل، لا ينبغي تحميل القطاع بأكمله مسؤولية شبهات تخص شبكة محددة. الحرفيون والتجار الذين يحتفظون بمستندات الشراء ويطبقون قواعد التعرف إلى المتعاملين وسجلات المخزون يشكلون جزءاً من منظومة الوقاية. وستكون نتائج مطابقة الدفاتر بالكميات الفعلية، وحركة الحسابات، والفواتير، وبيانات الشركات، حاسمة في الفصل بين النشاط العادي والمعاملات المشتبه بها.

ما الذي ننتظره بعد ذلك؟

المعلومات المتاحة حتى الآن صادرة عن مرحلة أمنية أولية. الخطوة التالية هي تحديد ما إذا كانت النيابة ستوجه اتهامات مفصلة إلى جميع الموقوفين أو إلى بعضهم، وما إذا كان القضاء سيقر استمرار التدابير التحفظية على الذهب والسيارات والأموال. كما ينتظر أن تكشف الخبرات الفنية عيارات المعادن ومصادرها المحتملة، وأن تراجع الجهات المختصة الوثائق الجبائية وسجلات الشركات والحرفيين.

تبقى ثلاث نقاط غير محسومة: المصدر الأصلي للذهب، وهوية المستفيدين الفعليين من الشركات والأصول، والكيفية التي حُسب بها تقدير قرابة طنين خلال ست سنوات. إلى أن تنشر السلطات القضائية نتائج أدق، الأدق وصف الملف بأنه تحقيق في شبهات واسعة النطاق، لا قضية صدر فيها حكم، مع الفصل الواضح بين الكميات المحجوزة فعلاً والتقديرات التي ما تزال موضع إثبات.

ياسين الإدريسي

مدير الشؤون العربية