توفي المجاهد والمحامي والسياسي الجزائري محمد علي هارون يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن عمر ناهز 99 عاماً، بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون العمومي. وكان الراحل عضواً سابقاً في المجلس الأعلى للدولة، ووزيراً لحقوق الإنسان، ومن أبرز الشهود والفاعلين في تاريخ فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا خلال حرب التحرير.
قدم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تعازيه إلى عائلة هارون، مستذكراً مساره في الحركة الوطنية وخدمة الدولة. ولم يتضمن الإعلان الرسمي الأول تفاصيل عن سبب الوفاة أو موعد الجنازة ومكانها، لذلك تقتصر المعلومات المؤكدة في الساعات الأولى على الوفاة والعمر والصفة العامة للراحل والتعزية الرئاسية.
من هو محمد علي هارون؟
ولد محمد علي هارون سنة 1927 في الجزائر العاصمة، ودرس القانون في فرنسا قبل أن يحصل لاحقاً على دكتوراه دولة في الحقوق ويتجه إلى المحاماة. جمع مساره بين التكوين القانوني والعمل السياسي، وهي ثنائية ظهرت في مراحل متعددة من حياته: أثناء نشاطه في الحركة الوطنية، وفي دفاعه عن المعتقلين والناشطين الجزائريين، ثم في عمله محامياً ووزيراً لحقوق الإنسان.
انضم هارون إلى جبهة التحرير الوطني في السنوات الأولى للثورة، وأصبح عضواً في اللجنة الفيدرالية لفيدرالية فرنسا. وتذكر المصادر الرسمية أنه تولى جوانب سياسية وإعلامية، وشارك في نشاط دبلوماسي وقانوني هدف إلى شرح القضية الجزائرية وتدويلها والدفاع عن الجزائريين أمام المحاكم الفرنسية.
عرفت فيدرالية فرنسا في أدبيات حرب التحرير باسم «الولاية السابعة»، لأنها عملت خارج الحدود الجغرافية للولايات التاريخية داخل الجزائر. وكان نشاطها موجهاً إلى تنظيم الجزائريين المقيمين في فرنسا وجمع الموارد ونقل خطاب الثورة إلى الرأي العام. ويُعد هارون من أبرز من وثقوا هذا المسار لاحقاً، لا مجرد مشارك سياسي فيه.
من الثورة إلى المجلس الوطني والجمعية التأسيسية
شغل هارون عضوية المجلس الوطني للثورة الجزائرية في المرحلة الأخيرة قبل الاستقلال. وكان المجلس يمثل الإطار التشريعي والسياسي للثورة، وتعود أهمية العضوية فيه إلى أن النقاش لم يكن مقتصراً على إدارة الحرب، بل شمل تصورات الدولة المقبلة وعلاقة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الانتقال إلى الاستقلال.
بعد الاستقلال انتُخب نائباً عن الجزائر العاصمة في الجمعية الوطنية التأسيسية سنة 1962. لكنه كان ضمن النواب المعارضين لطريقة إعداد دستور 1963 خارج الإطار الذي رأوا أنه يعود للجمعية، ثم ابتعد فترة طويلة عن العمل السياسي المباشر. وهذه المحطة مهمة لفهم مساره؛ فقد شارك في مؤسسة تأسيسية للدولة الجديدة، ثم اختار العمل القانوني عندما اشتد الخلاف على شكل السلطة والدستور.
مارس المحاماة في نقابة الجزائر من 1964 إلى 1991، واعتمد لدى المحكمة العليا. وخلال تلك السنوات ظل حاضراً في النقاش المتعلق بتاريخ الثورة والقانون والدولة، من خلال الكتابة والشهادة والمداخلات العامة، قبل عودته إلى المسؤولية الحكومية في بداية التسعينيات.
وزارة حقوق الإنسان والمجلس الأعلى للدولة
عُين هارون وزيراً لحقوق الإنسان سنة 1991، ثم أصبح عضواً في المجلس الأعلى للدولة بين 1992 و1994. وكان المجلس هيئة رئاسية جماعية أدارت البلاد في مرحلة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد ووقف المسار الانتخابي، ثم اغتيال رئيس المجلس محمد بوضياف في يونيو/حزيران 1992.
وجود هارون في المجلس يضعه في قلب واحدة من أكثر مراحل التاريخ الجزائري المعاصر حساسية وجدلاً. ولا تختزل الإشارة إلى المنصب تقييم تلك المرحلة أو المسؤوليات المتشابكة فيها، لكنها تفسر لماذا ظل اسمه مرتبطاً بالنقاش العام حول مؤسسات الدولة والتسعينيات، إضافة إلى مكانته في ذاكرة حرب التحرير.
انتهت عضويته مع انتهاء عمل المجلس في 1994، وظل بعد ذلك حاضراً بصفته محامياً وشاهداً وكاتباً في قضايا التاريخ الوطني. ويستدعي إعلان وفاته اليوم المحطات المختلفة في سيرته من دون دمجها في صورة واحدة مبسطة؛ فهو مناضل في الثورة، وفاعل في بناء مؤسسات ما بعد الاستقلال، ومسؤول في مرحلة سياسية لاحقة ذات سياق مختلف.
كتبه وشهادته عن «الولاية السابعة»
ترك هارون عدداً من الكتب والوثائق المتعلقة بفيدرالية جبهة التحرير في فرنسا. ومن أشهر أعماله كتاب عن «الولاية السابعة» يتناول حرب الجبهة على الأراضي الفرنسية بين 1954 و1962، ثم عمل لاحق بعنوان «الجبهة الثانية» جمع فيه كتابات ووثائق عن الفيدرالية ودور المهاجرين الجزائريين وشبكات الدعم الأوروبية.
قيمة هذه الأعمال أنها تقدم شهادة فاعل كان داخل التنظيم، مع ما يقتضيه ذلك من قراءة نقدية ومقارنة بمصادر أخرى. وهي تغطي جانباً أساسياً من حرب التحرير وقع خارج الجزائر: تنظيم الجالية، والعمل الإعلامي والسياسي، والقمع الذي واجهه الجزائريون في فرنسا، وعلاقة النشاط القانوني بالقضية الوطنية.
كما ظهر هارون في مقابلات أرشيفية تناول فيها تجربته الشخصية ونشأة فيدرالية فرنسا ومظاهرة 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961 في باريس. وبذلك امتدت مساهمته من العمل الميداني والسياسي إلى حفظ الذاكرة الشفوية والوثائقية، وهو ما يفسر حضور اسمه في المؤسسات البحثية والمتاحف والندوات التي تتناول تاريخ الهجرة وحرب الجزائر.
ما الذي نعرفه عن الوداع الرسمي؟
أكدت التعزية الرئاسية أن الدولة تنظر إلى هارون بوصفه مجاهداً وشخصية خدمت الجزائر في مراحل متعددة. لكن لم يعلن، حتى وقت إعداد هذا الخبر، برنامج تشييع رسمي أو ترتيبات استقبال المعزين، ولم تُنشر معلومات طبية عن سبب الوفاة. وأي مواعيد متداولة تحتاج إلى إعلان من العائلة أو جهة رسمية قبل اعتمادها.
الحدث المؤكد اليوم هو رحيل أحد آخر الوجوه البارزة المرتبطة مباشرة بتنظيم جبهة التحرير في فرنسا وبالمجلس الوطني للثورة، ثم بمؤسسات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال. وتبقى قراءة إرثه مرتبطة بمستويين: دوره في تدويل قضية التحرير وحفظ وثائقها، ودوره السياسي والقانوني في مراحل لاحقة شهدت خلافات حادة حول الدستور والسلطة وإدارة الدولة.
ومع انتظار تفاصيل الجنازة، تبرز أهمية العودة إلى أعمال هارون وشهاداته بوصفها مادة تاريخية يمكن مقارنتها بوثائق رفاقه وخصومه وأرشيف المؤسسات. فالوفاة تنهي مساراً شخصياً امتد قرابة قرن، لكنها تعيد فتح أسئلة الذاكرة التي كتب عنها: مساهمة المهاجرين في الثورة، وحدود العمل السياسي في المنفى، والطريقة التي انتقلت بها الجزائر من التحرير إلى بناء مؤسساتها.

