أخبار

خطاب افتتاح البرلمان يضع الأمن المائي والرقمي ضمن أولويات المغرب

خطاب افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة يدعو إلى استراتيجيات للأمن المائي والطاقي والغذائي، وتسريع الجهوية والاقتصاد الرقمي.

بصمة النشر e21842f8bc
واجهة مبنى البرلمان المغربي في الرباط والأعلام الوطنية أمامه
واجهة مبنى البرلمان المغربي في الرباط

افتتح الملك محمد السادس، الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية الثانية عشرة للبرلمان المغربي، بخطاب وضع الأمن المائي والطاقي والغذائي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في صدارة الاستراتيجيات المطلوب إطلاقها خلال المرحلة المقبلة.

وجاء الخطاب في بداية ولاية برلمانية جديدة، لا في افتتاح دورة عادية داخل الولاية السابقة، ولذلك ربط بين استمرار المشاريع القائمة وتحديد مجالات عمل طويلة الأمد للحكومة والبرلمان والقطاع الخاص والجهات. كما شدد على أن الهدف هو الجمع بين نمو اقتصادي يجعل المغرب قوة صاعدة وموثوقة، وبين عدالة اجتماعية ومجالية تمنع اتساع الفوارق بين السكان والمناطق.

خمسة مجالات للاستراتيجيات الجديدة

حدد الخطاب خمسة محاور كبرى: الأمن المائي، والأمن الطاقي، والأمن الغذائي، والإقلاع الصناعي، ثم الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويعني جمع هذه الملفات في قائمة واحدة أن البنية التحتية لم تعد مقصورة على الطرق والمنشآت، بل تشمل أيضاً قدرة البلاد على تأمين الموارد الأساسية، وتطوير الصناعة، وبناء أدوات تنافسية في القطاعات الرقمية.

ودعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، بالتوازي مع إعداد الجيل الجديد من الاستراتيجيات. وهذه صياغة تضع مسارين أمام المؤسسات: إنجاز ما سبق اعتماده من مشروعات، وعدم تأجيل التخطيط للمرحلة التالية إلى حين اكتمال جميع الأوراش الحالية.

وتناول الخطاب الاحتياطات الاستراتيجية وتوريد المواد الأساسية، مطالباً بتطوير قدرات المملكة في هذا المجال. وتكتسب هذه النقطة أهمية مباشرة للمواطنين والشركات، لأن اضطراب الإمدادات العالمية لا ينعكس فقط على توافر السلع، بل قد يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويضغط على الأسعار إذا لم توجد مخزونات وخطط توريد بديلة.

دور أكبر للقطاع الخاص والشباب

طلب الخطاب من القطاع الخاص الوطني أن يرتقي إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، مع مزيد من المبادرة والابتكار والقدرة على خلق فرص العمل والاستثمار والتصدير. ولا يختزل ذلك دوره في تنفيذ الصفقات، بل يربطه بالاستثمار المنتج وتوسيع القاعدة الصناعية والخدمية للمغرب.

وفي ملف الشباب، دعا إلى وضع قضاياهم في مقدمة السياسات العامة وهيئات الحكامة من خلال تصور متكامل يجمع التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. ويربط هذا المسار بين الدراسة وسوق العمل بدلاً من معالجة البطالة أو التدريب كملفين منفصلين، ويجعل الثقة في المؤسسات وإمكان الارتقاء الاجتماعي جزءاً من نتيجة السياسة العامة.

لا يتضمن الخطاب في ذاته ميزانيات تفصيلية أو آجالاً تنفيذية لكل محور. لذلك ستكون مؤشرات المتابعة العملية هي القوانين والبرامج الحكومية واعتمادات الموازنة والعقود الاستثمارية التي تحوّل هذه التوجيهات إلى مشروعات قابلة للقياس. أما إعلان الأولويات فهو بداية المسار السياسي والمؤسسي وليس نهايته.

الجهات ونقل القرار من المركز

خصص الخطاب مساحة واضحة للعمل الميداني على المستوى الترابي، معتبراً أن الرهان الحقيقي هو الوقوف على مشكلات كل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها. وربط تحسين الخدمات العامة والاستثمار المنتج بالتقدم في الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.

وأشار إلى أن التأخير والاختلالات في تنزيل اللامركزية واللاتمركز يعرقلان برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويؤخران الاستجابة لانشغالات السكان. وطالب بالتفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز عبر نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات، لا نقل المسؤوليات من دون الأدوات اللازمة لتنفيذها.

كما دعا إلى توضيح اختصاصات مؤسسات الجهة ورفع مواردها البشرية والمادية وتنظيم العلاقة بينها وبين الدولة بآليات للتنسيق والتعاقد. والنتيجة العملية المطلوبة هي أن تصبح الجهة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ المشروع، مع معرفة الجهة المسؤولة عندما يحدث تأخير أو تعارض في الصلاحيات.

رسالة بشأن الهجرة والشراكة مع إسبانيا

تناول الخطاب أيضاً التعاون الدولي في إدارة الهجرة، وقال إن المقاربة المغربية المتوازنة حققت نتائج ملموسة، لكنه اعتبر نموذج التعاون الحالي متجاوزاً في ظل الأزمات المتكررة. وخص العلاقة مع إسبانيا بالإشارة إلى التطور الذي شهدته الشراكة، مع وجود تحديات قانونية وقضائية تعوق، من وجهة النظر المغربية، ترحيل بعض القاصرين ومن ينتحلون صفة اللجوء.

وأكد أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي وليست مجالاً للضغط أو التهديد، معلناً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية وعملية لاتجاه جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. ولم يعرض الخطاب تفاصيل الوثيقة أو موعد تسليمها، ولذلك تبقى هذه العناصر مما ينبغي متابعته في البيانات الدبلوماسية اللاحقة.

هذه الفقرة لا تعني إعلان وقف التعاون مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي؛ فالنص أكد استمرار منطق الشراكة، لكنه دعا إلى مراجعة قواعدها وأدواتها. والتمييز مهم حتى لا تُقرأ الدعوة إلى نموذج جديد باعتبارها قطيعة لم يعلنها الخطاب.

لماذا يمثل الافتتاح محطة دستورية؟

ينص الفصل 65 من الدستور المغربي على أن البرلمان يعقد دورتين عاديتين كل سنة، وأن الملك يرأس افتتاح الدورة الأولى في الجمعة الثانية من أكتوبر، فيما تبدأ الدورة الثانية في الجمعة الثانية من أبريل. ويحضر أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين الافتتاح في جلسة مشتركة.

افتتاح 9 أكتوبر يحمل وزناً إضافياً لأنه بداية السنة الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة. وقد هنأ الملك أعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين، ثم حمّل الانتداب البرلماني معنى التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين. وهكذا جمع الخطاب بين خريطة أولويات عامة وتذكير مباشر بمسؤولية تحويلها إلى تشريع ورقابة ومتابعة.

خلال الأشهر المقبلة، يمكن قياس أثر الخطاب من خلال ثلاثة مسارات: سرعة نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات، ظهور برامج محددة للأمن المائي والطاقي والغذائي والتحول الرقمي، ثم ما إذا كان القطاع الخاص سيترجم الدعوة إلى استثمارات وصادرات وفرص عمل. وتظل التفاصيل التنفيذية والتمويل والجداول الزمنية نقاطاً مفتوحة تنتظر مشاريع القوانين والبرنامج الحكومي والقرارات التنظيمية.

ياسين الإدريسي

مدير الشؤون العربية