عادت الفنانة المصرية عائشة الكيلاني إلى مناسبة فنية عامة بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، وتسلمت تكريماً خلال حفل افتتاح الدورة التاسعة من مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري مساء السبت 24 أكتوبر 2026. وأقيم الحفل على مسرح مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمدينة السادس من أكتوبر، ضمن برنامج اختار الاحتفاء بفنانين بقي حضورهم في ذاكرة المشاهدين حتى عندما لم تتصدر أسماؤهم بطولات الأعمال.
لم يكن الظهور إعلاناً عن عمل جديد أو عودة فورية إلى التصوير، لكنه مثّل عودة واضحة إلى الجمهور من بوابة مهنية ترتبط بتاريخها في التمثيل. استقبل الحاضرون الكيلاني بحفاوة، وبدت سعيدة خلال تسلم التكريم، وتفاعلت مع الجمهور بروح مرحة أعادت إلى الأذهان طبيعة أدوارها الكوميدية. لذلك جاءت أهمية اللحظة من اجتماع حدثين: تكريم رسمي لمسيرة طويلة، وظهور علني نادر لفنانة غابت عن المناسبات والشاشة فترات ممتدة.
ماذا حدث في حفل الافتتاح؟
حملت فقرة التكريم عنوان «أبطال قلوبنا»، وضمت ثمانية أسماء. إلى جانب عائشة الكيلاني، كُرّم الفنانون سعيد الصالح ويوسف رجائي وعلاء زينهم، كما احتفى المهرجان بأسماء الراحلين نعيمة الصغير وأحمد عقل ويوسف عيد ومحمد الشرقاوي، وتسلم أفراد من أسر الراحلين دروع التكريم نيابة عنهم. وجمع الاختيار بين فنانين أحياء وأسماء رحلت، لكنه استند إلى فكرة واحدة: إعادة الاعتبار لأصحاب الأدوار التي صنعت جزءاً مهماً من نجاح أفلام ومسلسلات ومسرحيات كثيرة من دون أن تحظى دائماً بمساحة البطولة الأولى.
ووجّه عدد من النجوم رسائل مسجلة إلى المكرمين. وخصت الفنانة شيماء سيف عائشة الكيلاني برسالة احتفاء، بينما شهد الحفل رسائل أخرى من فنانين لزملائهم. كما قُدمت أغنية خاصة بعنوان «أبطال قلوبنا». هذه التفاصيل وضعت التكريم داخل تصور أوسع من مجرد تسليم درع، إذ حاولت الفقرة توثيق أثر ممثلين ارتبط الجمهور بشخصياتهم وأدائهم أكثر من ارتباطه بترتيب أسمائهم على الملصقات.
لماذا يحمل تكريم عائشة الكيلاني دلالة خاصة؟
امتلكت الكيلاني حضوراً يمكن التعرف إليه سريعاً، ولا سيما في الشخصيات الكوميدية والاجتماعية. تخرجت في قسم التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وبدأ حضورها الفني في المسرح قبل أن تتنقل بين السينما والتلفزيون. ومن الأعمال التي شاركت فيها أفلام «سمك لبن تمر هندي» و«سيداتي آنساتي» و«الإرهاب والكباب» و«المنسي»، ومسلسلات «رأفت الهجان» و«أرابيسك» و«العطار والسبع بنات» و«إسماعيل ياسين.. أبو ضحكة جنان».
لم تكن قيمة هذه المشاركات مرتبطة بكبر مساحة الدور وحده. فقد بنت الفنانة شخصيات تعتمد على الإيقاع السريع والتلقائية وتفاصيل الصوت والحركة، وهي عناصر جعلت بعض أدوارها حاضرة لدى الجمهور بعد مرور سنوات على عرضها. ومن هنا ينسجم اختيارها مع شعار التكريم: إبراز الفنان الذي يضيف للعمل طبقة لا يمكن تجاهلها، حتى إذا لم يكن بطل الحكاية.
كما يعيد التكريم النقاش حول فرص الممثلات الكوميديات في مراحل عمرية مختلفة. الكيلاني تحدثت في تصريحات حديثة عن تراجع الأعمال الكوميدية التي تُكتب خصيصاً لفنانات يمتلكن هذا اللون، ورأت أن وجود نص مناسب هو الشرط الحقيقي للعودة. ولا يعني هذا التصريح أنها رفضت العمل من حيث المبدأ؛ بل إنها ربطت العودة بقيمة الدور واحترام تاريخها بدلاً من الظهور العابر.
غياب طويل من دون إعلان اعتزال
ابتعاد عائشة الكيلاني لم يكن اعتزالاً معلناً. آخر حضور درامي واسع لها ارتبط بمسلسل «إسماعيل ياسين.. أبو ضحكة جنان» عام 2009، ثم قل ظهورها الإعلامي والفني. وفي فترات لاحقة قدمت عملاً صوتياً في مسلسل الرسوم المتحركة الخليجي «خوصة بوصة» عام 2020، لكنها بقيت بعيدة عن الإنتاج الدرامي المعتاد والمناسبات العامة.
وخلال مقابلات سابقة وحديثة، أرجعت الغياب إلى عدم وصول عروض تناسب مرحلتها ومسيرتها، مؤكدة أنها لم تغلق باب الفن. وهذه نقطة مهمة عند قراءة ظهورها الجديد: التكريم لا يثبت وجود تعاقد أو مشروع قيد التنفيذ، ولا توجد حتى الآن معلومات موثقة عن مسلسل أو فيلم جديد تشارك فيه. المتاح والمؤكد هو أنها حضرت الحفل وتسلمت التكريم، وأنها ما زالت منفتحة على عمل يحترم ما قدمته.
كما أن ندرة ظهورها أدت في أوقات سابقة إلى انتشار شائعات عن حالتها الصحية أو وفاتها. وقد نفت الكيلاني بنفسها تلك المزاعم وأكدت أنها بخير. لذلك ينبغي الفصل بين الفضول المشروع بشأن غياب فنانة معروفة وبين تداول استنتاجات عن صحتها أو حياتها الخاصة من دون تصريح مباشر. ظهورها في حفل المهرجان قدم للجمهور المعلومة الأوضح: الفنانة حضرت بنفسها، احتفلت بالتكريم وتفاعلت مع الحاضرين.
مهرجان يستمر حتى 4 نوفمبر
يستمر مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري حتى 4 نوفمبر 2026، وتضم دورته التاسعة 60 عرضاً موزعة على ستة مسارح في القاهرة. ويجمع البرنامج بين إتاحة منصة لفرق ومواهب مسرحية، وبين تكريم أسماء أسهمت في تاريخ التمثيل المصري. ويمنح هذا الحجم فقرة «أبطال قلوبنا» سياقاً عملياً: الاحتفاء بالماضي يجري بالتوازي مع تقديم جيل جديد من العروض.
أما الخطوة التالية التي ينتظرها جمهور عائشة الكيلاني فهي ما إذا كان الظهور سيتبعه مشروع تمثيلي مناسب. لا توجد إجابة معلنة بعد، ومن الأفضل عدم تحويل لحظة التكريم إلى وعد غير موجود. لكن الحفل أعاد اسمها إلى المجال العام بصورة مهنية، وذكّر المنتجين والجمهور بأن الممثل صاحب الدور المساند قد يترك أثراً أطول من مساحة ظهوره، وأن العودة الحقيقية تبدأ غالباً من نص يعرف كيف يستفيد من خبرة صاحبه لا من الحنين وحده.

