انتخب برلمان إقليم كردستان العراق فالا فريد إبراهيم رئيسةً له، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، بعدما حصلت على 52 صوتاً في جلسة أعادت تفعيل المؤسسة التشريعية بعد تعطّل استمر قرابة عامين. وانتُخب رامي نوري عوديش نائباً للرئيس، ومنى نبي قهوجي سكرتيرةً للبرلمان، لتتولى الهيئة الجديدة إدارة الدورة السادسة وفتح المسار الدستوري للملفات التي بقيت معلقة منذ انتخابات أكتوبر 2024.
لا تقتصر أهمية التصويت على تغيير أسماء هيئة الرئاسة. فالبرلمان لم يتمكن طوال الفترة الماضية من الاجتماع بنصاب يسمح له بانتخاب قيادة دائمة أو ممارسة دوره بصورة منتظمة، وهو ما ارتبط بدوره بتأخر تشكيل حكومة جديدة للإقليم. أما جلسة الأربعاء فانعقدت وسط مقاطعة كتل رئيسية، لكن حضور نواب خرج بعضهم عن قرارات أحزابهم أتاح اكتمال النصاب وإجراء الاقتراع.
52 صوتاً تحسم هيئة الرئاسة
جاء انتخاب فريد بالاقتراع داخل قاعة البرلمان في أربيل، وحصلت على 52 صوتاً، وهي الأغلبية التي حسمت المنصب. وذهبت نيابة الرئاسة إلى رامي نوري عوديش، ممثل المكوّن المسيحي، فيما اختيرت منى قهوجي، ممثلة المكوّن التركماني، سكرتيرةً للمجلس. وتجمع الهيئة بذلك بين مرشحة الحزب الديمقراطي الكردستاني وممثلين عن مكوّنين ضمن المقاعد المخصصة.
ترأست الجلسة في بدايتها أكبر الأعضاء سناً، قبل انتقال إدارتها إلى الهيئة المنتخبة. وأكدت فريد في أول مؤتمر صحفي بعد التصويت أن الرئاسة الجديدة دائمة وليست ترتيباً مؤقتاً ينتظر اتفاقاً سياسياً لاحقاً. هذا التوضيح له دلالة خاصة لأن فريد سبق أن تولت رئاسة البرلمان لفترة قصيرة عام 2019 في سياق خلاف سياسي بين الحزبين الكرديين الرئيسيين.
النتيجة المعلنة لا تعني انتهاء الخلاف حول شرعية المسار سياسياً. المؤكد هو اكتمال النصاب وإجراء التصويت وإعلان الفائزين، بينما تواصل قوى معارضة الاعتراض على طريقة الدعوة إلى الجلسة وترتيباتها. لذلك ينبغي الفصل بين صحة النتيجة بوصفها واقعة برلمانية معلنة وبين النزاع السياسي الذي سيستمر داخل الإقليم وخارجه.
انقسام المعارضة فتح باب انعقاد الجلسة
دخل الحزب الديمقراطي الكردستاني الجلسة بكتلته المكوّنة من 39 نائباً، مدعوماً بعدد من نواب المكوّنات وكتل أصغر. وكان الوصول إلى النصاب يتطلب أصواتاً إضافية من خارج هذا التجمع. وفي الساعات السابقة للتصويت أعلنت قوى بينها الاتحاد الوطني الكردستاني وحراك الجيل الجديد مقاطعتها، كما تبنت أحزاب أخرى موقفاً رافضاً للانعقاد.
لكن عدداً من نواب تلك القوى حضروا بصفات فردية، وأعلن بعضهم أنه لم يعد ملتزماً بقرار كتلته. هذا الانقسام منح الجلسة العدد اللازم للبدء، وفي الوقت نفسه أحدث توتراً داخل الأحزاب المقاطعة. وأعلنت حركة «الموقف الوطني» فصل نائبين شاركا، بينما قال نواب آخرون إن استمرار غياب البرلمان لم يعد مقبولاً بعد طول الانتظار.
الاتحاد الوطني الكردستاني وصف الدعوة إلى الجلسة قبل انعقادها بأنها غير قانونية وتفتقر إلى الشراكة، واتهم خصومه باستخدام الضغط للتأثير في النواب. في المقابل قال الحزب الديمقراطي إن الجلسة لا تستهدف طرفاً وإن باب العودة إلى البرلمان يظل مفتوحاً. لا توجد في الوقائع المتاحة نتيجة قضائية تفصل في هذه الاتهامات، ولذلك تبقى مواقف سياسية منسوبة إلى أصحابها وليست حقائق مثبتة خارج التصويت نفسه.
تعطّل بدأ بعد انتخابات أكتوبر 2024
انتخب سكان الإقليم برلمانهم في 20 أكتوبر 2024، ويتكون المجلس من 100 مقعد بعد تعديلات قانونية وقرارات قضائية سبقت الاقتراع. وعُقدت الجلسة الأولى للدورة السادسة في 2 ديسمبر من العام نفسه، حين أدى معظم النواب اليمين، لكنها بقيت مفتوحة من دون التوصل إلى هيئة رئاسة قادرة على إدارة عمل المجلس.
تراكمت الخلافات حول توزيع المناصب والعلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، ثم امتدت آثارها إلى تشكيل الحكومة. وبقيت الكابينة التاسعة التي بدأت عملها في يوليو 2019 تمارس مهامها، فيما تعذر إطلاق الكابينة العاشرة المنبثقة عن انتخابات 2024. هذه الفجوة الزمنية تفسر لماذا يُنظر إلى تصويت الأربعاء بوصفه مفتاحاً مؤسسياً لا مجرد انتخاب داخلي.
سبق للمحكمة الاتحادية العليا في العراق أن تدخلت في ملفات تخص مدد البرلمان وصلاحيات مؤسسات الإقليم. كما تنظر المحكمة في دعوى تتعلق بوضع الحكومة القائمة، وقد أُجّل حسمها إلى 14 ديسمبر وفق المواعيد المنشورة. انتخاب رئاسة البرلمان لا يلغي هذا المسار القضائي، لكنه يعيد وجود مؤسسة تشريعية يمكنها اتخاذ الخطوات المنصوص عليها في النظام الداخلي.
فالا فريد تعود إلى منصب عرفته في 2019
فالا فريد، المولودة في أربيل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، قيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني وشغلت رئاسة كتلته البرلمانية. وكانت أول امرأة تتولى رئاسة برلمان الإقليم عندما انتُخبت للمنصب في فبراير 2019، قبل انتقال الرئاسة لاحقاً ضمن التفاهمات بين الأحزاب.
شغلت بعد ذلك منصب وزيرة الإقليم لشؤون البرلمان، ما وضعها عند نقطة الاتصال بين الحكومة والسلطة التشريعية. عودتها الآن مختلفة من حيث الإعلان السياسي المصاحب لها؛ فهي تصر على أن الهيئة منتخبة لمدة دائمة وليست جسراً إلى صفقة مؤقتة. وسيُختبر هذا الموقف عند أول مواجهة إجرائية مع الكتل الغائبة أو عند مناقشة الملفات الحكومية الحساسة.
وجود امرأة على رأس البرلمان يحمل قيمة تمثيلية، لكنه لا يختصر التحدي الذي تواجهه. المهمة المباشرة هي استعادة انتظام الجلسات واللجان بعد توقف طويل، وتأمين مشاركة أوسع من كتلة الحاضرين في جلسة واحدة. من دون ذلك قد يعمل المجلس قانونياً بنصاب متاح، لكنه يظل محاطاً بأزمة ثقة سياسية بين القوى الكبرى.
تسمية رئاسة الإقليم والكابينة العاشرة في الصدارة
قالت فريد إن الهيئة ستبدأ الإجراءات القانونية المرتبطة بترشيح رئاسة إقليم كردستان وتشكيل الحكومة العاشرة. هذه العملية لا تُحسم تلقائياً بانتخاب رئيس البرلمان؛ فهي تتطلب مواعيد وترشيحات وتصويتاً وتوافقات بين كتل تملك أوزاناً متقاربة في ملفات الحكم. وقد يعود الاتحاد الوطني إلى المفاوضات حتى مع استمراره في الاعتراض على جلسة الأربعاء.
سيكون جدول الأعمال الأول مؤشراً إلى قدرة الرئاسة على الانتقال من كسر الجمود إلى عمل تشريعي فعلي. فالإقليم يواجه ملفات الرواتب والعلاقة المالية مع بغداد وإدارة النفط والخدمات، إلى جانب إقرار قوانين ورقابة حكومية تأخرت مع غياب الجلسات. لا يعني استئناف البرلمان أن حلول هذه الملفات أصبحت جاهزة، لكنه يعيد القناة الدستورية الضرورية لمناقشتها ومساءلة السلطة التنفيذية بشأنها.
الخطوة التالية المؤكدة هي دعوة النواب إلى جلسات جديدة وبدء إجراءات المناصب الدستورية، أما شكل التحالف الذي سينتج حكومة الإقليم فلم يُعلن بعد. وستتضح قوة رئاسة فريد من نسبة مشاركة الكتل المقاطعة، وقدرتها على إدارة خلافات النظام الداخلي، وتحويل تصويت الـ52 صوتاً من لحظة كسر نصاب إلى بداية دورة تشريعية منتظمة.

