صحة

أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام في مصر.. القانون يشترط الإرادة الحرة ولا قرار بالتطبيق

أثار تساؤل طبي نقاشاً عن الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، لكن القانون المصري يجعل التبرع اختيارياً ومكتوباً، ولم يصدر قرار بتطبيق الفكرة.

بصمة النشر 05d0d833d4
واقعي لفريق طبي يناقش التحضير لعملية زراعة أعضاء داخل غرفة عمليات
فريق طبي يستعد لإجراء عملية زراعة أعضاء

أعاد نقاش تلفزيوني في مصر قضية التبرع بالأعضاء إلى الواجهة، بعد أن طرح أستاذ طب الحالات الحرجة حسام موافي تساؤلاً عن إمكان الاستفادة من أعضاء أشخاص محكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ مرضى يحتاجون إلى الزراعة. غير أن ما طُرح كان سؤالاً عاماً موجهاً إلى الجهات القانونية والدينية والطبية، وليس قراراً حكومياً أو مشروعاً بدأ تطبيقه.

وجاء الرد الأوضح من نقيب الأطباء أسامة عبد الحي، الذي شدد على أن الحكم الجنائي لا يسلب الإنسان حقه في اتخاذ القرار بشأن جسده. وبحسب توضيحه، لا يجوز الحصول على عضو من أي شخص، حياً كان أو متوفى، من دون موافقة مستنيرة وإرادة حرة. وإذا اختار محكوم عليه التبرع وفق الضوابط، فإنه يُعامل في هذه المسألة مثل أي مواطن آخر، لا باعتباره مصدراً إجبارياً للأعضاء.

ما الذي قيل فعلاً وما الذي لم يحدث؟

بدأت القصة بتساؤل حول إمكان إنقاذ أكثر من مريض عبر أعضاء شخص واحد، وطلب حسم الموقف من الجهات المختصة. وبعد انتشار صياغات نسبت إلى موافي تبني الفكرة كإجراء جاهز، أوضح أنه لم يدعُ إلى التنفيذ بلا ضوابط، وأنه طرح سؤالاً يحتاج إلى رأي النائب العام وشيخ الأزهر والمتخصصين.

هذه النقطة ضرورية لأن الفرق كبير بين فتح نقاش أخلاقي وطبي وبين وجود سياسة عامة. حتى وقت إعداد هذه المادة، لم يُعلن تعديل لقانون زراعة الأعضاء يسمح بأخذ أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام قسراً، ولم تصدر آلية تنفيذية خاصة بهذه الفئة. والقاعدة النافذة هي أن التبرع لا يُفترض ولا يُنتزع بسبب صدور حكم قضائي.

كما لا توجد نتيجة قانونية نهائية للنقاش نفسه. الآراء التلفزيونية، سواء المؤيدة لدراسة الفكرة أو الرافضة لها، لا تنشئ التزاماً على المستشفيات ولا تمنح أي جهة سلطة جديدة. أي تغيير حقيقي يحتاج إلى سند قانوني وإجراءات طبية ورقابية معلنة، وليس إلى تصريحات إعلامية منفردة.

ماذا يقول قانون زرع الأعضاء المصري؟

ينظم القانون رقم 5 لسنة 2010 نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة في مصر. وتضع مادته الخامسة مبدأ مركزياً: يجب أن يصدر التبرع عن إرادة حرة خالية من عيوب الرضا، وأن يكون ثابتاً بالكتابة وفق الإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية. كما يملك المتبرع حق العدول عن قراره حتى قبل بدء عملية النقل.

ويحظر القانون بيع الأعضاء أو شراءها أو الحصول على مقابل مادي أو عيني بسبب التبرع. ويُلزم بإحاطة المتبرع والمتلقي بطبيعة عمليتي النقل والزرع ومخاطرهما المحتملة، وتوثيق الموافقة. هذه الضمانات لا تتوقف عند صفة المتبرع الاجتماعية أو القانونية؛ بل تحمي أصل الرضا وتمنع تحويل الحاجة الطبية إلى باب للاستغلال.

وشددت تعديلات العقوبات اللاحقة على مواجهة النقل غير المشروع والإكراه والاتجار. لذلك لا يكفي القول إن عضواً قد ينقذ حياة مريض كي تصبح وسيلة الحصول عليه مقبولة تلقائياً. الهدف العلاجي مهم، لكن القانون يربطه بحماية المتبرع وكرامته وسلامة الإجراءات في منشآت مرخصة وتحت رقابة مختصة.

لماذا تعد «الموافقة المستنيرة» أكثر من توقيع؟

الموافقة المستنيرة تعني أن يفهم الشخص طبيعة ما يوافق عليه، والعضو أو النسيج المقصود، والمخاطر والنتائج، وأن يتخذ قراره من دون ضغط أو خداع أو منفعة مالية. والتوقيع وثيقة مهمة، لكنه لا يصحح قراراً صدر تحت إكراه أو في ظروف تمنع الإرادة الحرة.

وتصبح المسألة أكثر حساسية داخل السجون؛ لأن عدم التكافؤ في القوة والقيود المفروضة على الحرية قد يثيران سؤالاً إضافياً عن مدى استقلال القرار. لهذا ركز نقيب الأطباء على أن المحكوم عليه يظل صاحب القرار، وأن عقوبته لا تمنح الدولة أو أي مؤسسة حقاً في أعضاء جسده. حماية الرضا هنا ليست تفصيلاً إجرائياً، بل جوهر المشروعية الأخلاقية والقانونية.

ولا يعني ذلك منع المحكوم عليه من التبرع إذا عبّر بحرية عن رغبته واستوفى الضوابط. المعنى هو رفض الإلزام أو افتراض الموافقة أو ربطها بامتيازات وضغوط. وأي حالة فردية، إن عُرضت، تحتاج إلى تحقق مستقل من الأهلية والرضا وسلامة المسار الطبي والقانوني.

التبرع بعد الوفاة له ضوابط منفصلة

يميز النقاش بين التبرع من شخص حي والتبرع بعد الوفاة. في الحالتين تبقى الإرادة السابقة والموثقة عنصراً أساسياً، لكن التبرع بعد الوفاة يضيف أسئلة تتعلق بإثبات الوفاة، وصلاحية الأعضاء، وسرعة النقل، والجهة المخولة بالتنفيذ. هذه مسائل فنية وقانونية لا تُحسم بفكرة عامة عن الاستفادة من الأعضاء.

وتقرر دار الإفتاء المصرية جواز التبرع بعد الوفاة ضمن محددات شرعية وقانونية، من بينها وصية المتبرع وهو كامل الأهلية ومن دون إكراه، وصون كرامة الجسد، ومنع الاتجار. كما تجعل تنفيذ الوصية تحت رقابة الدولة والجهات المختصة، لا باتفاقات خاصة بين الأفراد.

أما صلاحية عضو بعينه للزراعة فتُحدد طبياً لكل حالة. ليس كل متوفى متبرعاً صالحاً، ولا كل عضو قابلاً للنقل، ولا يمكن بناء مسار علاجي على افتراضات عامة. يجب إجراء فحوص العدوى والتوافق وتقييم الحالة، مع فصل الفريق الذي يثبت الوفاة عن اعتبارات الاستفادة من الأعضاء وفق الضوابط المهنية.

لماذا يهم النقاش المرضى والأسر؟

يعكس الجدل حاجة حقيقية إلى توسيع التبرع المنظم وإنقاذ المرضى المنتظرين، لكنه يكشف أيضاً مخاطر الخطاب المختصر. حين تُعرض القضية باعتبارها اختياراً بين إهدار أعضاء وإنقاذ أرواح، قد تختفي أسئلة الرضا والكرامة والثقة العامة. ومن دون ثقة في أن التبرع اختياري وآمن وشفاف، يصعب بناء منظومة يتقبلها المجتمع.

بالنسبة إلى المرضى وأسرهم، لا يغير النقاش التلفزيوني قواعد الحصول على عملية زرع. المسار الصحيح يظل عبر المراكز المرخصة واللجان الطبية والقانونية، لا عبر وسطاء أو عروض خاصة. كما أن دفع مقابل لعضو أو محاولة ترتيب نقل خارج الجهات المعتمدة يعرض الأطراف لمخاطر صحية وقانونية جسيمة.

ما الذي ينبغي متابعته لاحقاً؟

التطور الذي سيغير الوضع هو صدور موقف رسمي من وزارة الصحة أو جهة تشريعية أو قضائية، أو اقتراح قانون محدد يخضع للنقاش العام. وحتى يحدث ذلك، تبقى الفكرة موضوع جدل وليست برنامجاً. وأي ادعاء بأن مصر بدأت أخذ أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام يحتاج إلى دليل رسمي غير موجود في المعطيات المنشورة حتى الآن.

الخلاصة أن القانون المصري القائم لا يجيز نزع الأعضاء تلقائياً بسبب حكم بالإعدام، وأن الموافقة الحرة المكتوبة تظل شرطاً أساسياً. النقاش قد يفتح باباً لتطوير منظومة التبرع، لكنه لا يبرر تجاوز حقوق المتبرع أو اختصار القضية في عدد المستفيدين المحتملين. ما يستحق المتابعة هو أي نص رسمي جديد، لا الصياغات المتداولة التي تحول سؤالاً إلى قرار.

ليان الحربي

مديرة الملفات النوعية