تسلمت الفنانة المصرية منى زكي جائزة الإنجاز الإبداعي في افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، مساء الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقديراً لمسيرة فنية امتدت أكثر من ثلاثة عقود بين المسرح والسينما والتلفزيون. وقدّم الجائزة المخرج محمد شاكر خضير، في ظهور أعدّه المهرجان ضمن لحظات تكريمها.
واستكمل المهرجان الاحتفاء بها في اليوم التالي بجلسة حوارية حملت عنوان «ما وراء النجومية»، أدارها المخرج محمد ياسين في مركز الجونة للمؤتمرات. لم تقتصر الجلسة على استعادة الأعمال المعروفة، بل ناقشت علاقتها بالخوف والاختيار المهني والتعبير عن المشاعر، وما تفرضه الشهرة من ضغط على الفنان أثناء الانتقال بين تجارب جماهيرية وأدوار أكثر مخاطرة.
ماذا تعني جائزة الإنجاز الإبداعي؟
الجائزة تكريم لمسار مهني وليست نتيجة منافسة بين فيلم وآخر في الدورة الحالية. ويمنحها مهرجان الجونة لشخصيات تركت أثراً ممتداً في صناعة السينما، لذلك جاء الإعلان مرتبطاً بمجمل أعمال منى زكي وقدرتها على تقديم شخصيات نسائية متنوعة في السينما والدراما المصرية والعربية.
وتقام الدورة التاسعة من المهرجان في الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر. ويجمع برنامجها بين عروض الأفلام والمسابقات والحوارات المهنية، إلى جانب أنشطة «سيني جونة» التي تضع الفنانين والمنتجين والمخرجين أمام أسئلة الصناعة. وضع جلسة منى زكي في بداية البرنامج منح التكريم مساحة للنقاش، بدلاً من بقائه لحظة قصيرة على منصة الافتتاح.
وخلال الحفل بدت الفنانة متأثرة وهي تشكر المهرجان وزملاءها والجمهور. ولا تحتاج هذه اللحظة إلى تفسيرات عن حياتها الخاصة؛ المعلومة التي شرحتها بنفسها في الجلسة هي أن الخوف والصراع الداخلي صاحبا جزءاً من تجربتها، وأن الاستمرار في العمل يتطلب مواجهة تلك المشاعر لا إخفاءها.
«ما وراء النجومية» ومساحة الحديث المهني
أدار محمد ياسين الجلسة بحضور عدد كبير من صناع السينما والفنانين، وتركز النقاش على تطور أدوات الممثلة وعلاقتها بالمخرجين واختيار الشخصيات. وقالت منى زكي إن التمثيل ساعدها على التعبير عن مشاعر كانت تجد صعوبة في إظهارها، وربطت الاستمرار بقدرة الفنان على النهوض بعد التعثر والبحث عن تحد جديد.
وتطرقت كذلك إلى الضغوط التي صاحبت استقبال بعض أعمالها، ومن بينها فيلم «الست»، موضحة أن النقد القاسي ترك أثراً نفسياً عليها، ولا سيما عندما جاء من داخل الوسط. طرح هذه التجربة أمام جمهور مهني يحولها من خبر عاطفي منفصل إلى سؤال أوسع: كيف يوازن الفنان بين حق الجمهور والنقاد في التقييم وبين القدرة على حماية مساحته الشخصية والاستمرار في العمل؟
كما استعادت محطات تعاونها مع مخرجين وزملاء شكلوا تجربتها. وفي هذا السياق، كان حضور محمد شاكر خضير لتقديم الجائزة ذا دلالة مهنية، فهو من المخرجين الذين عملت معهم في دراما حديثة حققت صدى واسعاً. لكن التكريم لم يُنسب إلى عمل واحد، بل إلى حصيلة تراكمت عبر أجيال مختلفة من الجمهور.
مسيرة بدأت من المسرح
بدأت منى زكي التمثيل في سن مبكرة عندما شاركت في مسرحية «بالعربي الفصيح» مع محمد صبحي عام 1989. ثم واصلت العمل بالتوازي مع دراستها الإعلام في جامعة القاهرة، وانتقلت تدريجياً من المسرح والتلفزيون إلى حضور متزايد في السينما منذ تسعينيات القرن الماضي.
عرفها الجمهور في أفلام جماهيرية ورومانسية، قبل أن توسع اختياراتها نحو شخصيات أكثر تركيباً. ومن أبرز محطات السينما «سهر الليالي» و«احكي يا شهرزاد» و«أصحاب ولا أعز» و«رحلة 404»، بينما قدمت في التلفزيون أعمالاً مثل «أفراح القبة» و«لعبة نيوتن» و«تحت الوصاية». ويظهر هذا المسار انتقالاً من صورة النجمة الشابة في الأفلام التجارية إلى أدوار تتحمل فيها الشخصية النسائية العبء الدرامي الأساسي.
لا يعني ذلك أن كل تجربة حظيت بالإجماع، وهو أمر طبيعي في مسيرة طويلة. الأهم في منطق جائزة الإنجاز هو الاستمرارية والقدرة على تغيير نوع الأدوار والعمل مع مدارس إخراجية متعددة، إلى جانب حضور يتجاوز شباك التذاكر إلى النقاش الاجتماعي الذي تثيره بعض الشخصيات.
لماذا جاء التكريم في هذا التوقيت؟
يأتي التكريم بعد مرحلة كثيفة من الأدوار التي أعادت منى زكي إلى صدارة الحوار حول البطولة النسائية في السينما والدراما. مسلسل «تحت الوصاية» تناول مسؤولية أم تواجه منظومة اجتماعية وقانونية معقدة، بينما قدّم «رحلة 404» شخصية تحمل ماضياً ثقيلاً وتسعى إلى بداية مختلفة. هذه الأعمال دفعت الأداء إلى مناطق أبعد من الصورة الرومانسية التي ارتبطت ببداياتها.
كما يفتح التكريم نقاشاً عن معنى النجومية الطويلة في صناعة سريعة التحول. فالحفاظ على الحضور لا يعتمد على كثرة الظهور فقط، بل على اختيار توقيت العودة، والقدرة على العمل في السينما والمنصات والتلفزيون، وتحمل تفاوت ردود الفعل. جلسة «ما وراء النجومية» وضعت هذه الأسئلة في قلب الحدث بدلاً من الاكتفاء بقائمة أعمال.
ما الذي يجب فصله عن الخبر؟
انتشرت بالتزامن مع التكريم مواد تركز على الإطلالة أو غياب أشخاص عن الصور، لكنها لا تغير جوهر الحدث. الثابت هو تسلم الجائزة في حفل الافتتاح، ثم انعقاد الجلسة المهنية في اليوم التالي. أما الاستنتاجات المتعلقة بعلاقاتها الخاصة أو تفسير مشاعرها خارج ما صرحت به فلا تستند إلى معلومة يقتضيها الخبر.
كذلك لا تعني جائزة الإنجاز إعلان اعتزال أو نهاية مرحلة؛ هي اعتراف بما تحقق حتى الآن، بينما يستمر المهرجان حتى 23 أكتوبر وتبقى أعمال الفنانة المقبلة خاضعة لإعلانات منتجيها الرسمية. وما يمكن للقارئ متابعته خلال الأيام المقبلة هو ما إذا كانت الجلسة ستنتج حواراً أوسع حول ظروف العمل والنقد والبطولة النسائية، لا مجرد إعادة تداول لحظة استلام الجائزة.
تكريم يتجاوز لحظة المنصة
قيمة التكريم في أنه جمع بين الاعتراف الجماهيري والنقاش الحرفي. فمنى زكي لم تُقدّم فقط باعتبارها اسماً مشهوراً، بل ممثلة بنت مسارها عبر المسرح والسينما والدراما وغيّرت اختياراتها مع تغير العمر والسوق. وهذا ما يفسر حضور أجيال مختلفة من الفنانين في الجلسة واهتمام الجمهور بما قالته عن الضعف والخوف والعمل.
في المحصلة، تسجل الدورة التاسعة من مهرجان الجونة جائزة مهنية جديدة في مسيرة منى زكي، وتمنح الجمهور فرصة لقراءة هذه المسيرة ككل: بدايتها المبكرة، محطاتها الجماهيرية، تحولاتها الدرامية، والضغوط التي ترافق الاستمرار. وهي عناصر تجعل الخبر أوسع من صورة على سجادة حمراء أو خطاب شكر قصير.

