اقتصاد

تصاعد هجمات هرمز وغرق سفينة حاويات سنغافورية

غرق سفينة حاويات بعد إصابتها بمقذوف مجهول، وسط ارتفاع الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز خلال أكتوبر.

بصمة النشر b2be8d4e32
مضيق هرمز وسواحل عُمان وإيران من الفضاء
مضيق هرمز وسواحل عُمان وإيران

دخلت سلامة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة أكثر خطورة خلال أكتوبر، بعد ارتفاع عدد الهجمات المبلّغ عنها على السفن التجارية وغرق سفينة حاويات مسجلة في سنغافورة. التطور الجديد لا يتعلق بحادث منفرد فقط؛ إذ تقول هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن الشهر الجاري أصبح الأكثر نشاطاً في الهجمات المبلّغ عنها منذ مارس، فيما تكشف السجلات الرسمية عن تضرر سفن قرب السواحل العُمانية وداخل المضيق وعلى امتداد جزء أوسع من الخليج.

وأكدت هيئة الملاحة والموانئ في سنغافورة أن السفينتين «GFS Pride» و«GFS Giselle» أصيبتا بمقذوفات مجهولة أثناء عبورهما المضيق في 13 و14 أكتوبر بتوقيت سنغافورة. اشتعل حريق في الأولى قبل أن تغرق، لكن أفراد طاقمها الـ21 أُجلوا بسلام ولم تسجل إصابات. أما الثانية فأصيبت في هيكلها ووصلت بقوتها الذاتية إلى مرسى آمن، وبقي أفراد طاقمها الـ22 سالمين.

ما الذي حدث للسفينتين؟

تكتسب إفادة سنغافورة أهمية لأنها صادرة عن دولة العلم ومحددة بأسماء السفينتين وحالة كل منهما. وهي لا تنسب إطلاق المقذوفات إلى جهة بعينها، لذلك يبقى المسؤول عن الهجوم غير محسوم في المعلومات الرسمية المنشورة. كما أن نجاة الطاقمين لا تلغي جسامة الحادث: غرق سفينة حاويات يعني فقدان أصل تجاري وتعطيل شحنات وبدء مسارات تأمين وتحقيق وإنقاذ بحري قد تستمر بعد انتهاء الخطر المباشر على البحارة.

وسجلت المنظمة البحرية الدولية «GFS Pride» ضمن حوادث 13 أكتوبر بوصفها سفينة غرقت في مضيق هرمز من دون تلوث مسجل، وأدرجت «GFS Giselle» ضمن السفن المتضررة على مسافة ستة أميال بحرية من ساحل عُمان. كما أدرجت في اليوم نفسه سفينة «Al Saadiyat» متضررة على مسافة ميل بحري واحد من الساحل العُماني. هذا التفصيل يوضح أن الخطر لا ينحصر في نقطة واحدة من الممر، بل يمتد إلى مسارات الاقتراب والمياه القريبة من عُمان.

22 حادثاً مؤكداً منذ بداية أكتوبر

تتضمن القائمة المحدثة للمنظمة البحرية الدولية 22 حادثاً مؤكداً بين 1 و13 أكتوبر في المضيق أو محيطه البحري القريب. وتشمل القائمة سفناً متضررة، وإصابات بين البحارة، وحالتي فقدان لأفراد طاقم في حادثة «Petro Dolphin» بمرسى صحار، إلى جانب غرق «GFS Pride». ولا تعني هذه الحصيلة أن كل الحوادث نفذتها جهة واحدة أو بالطريقة نفسها؛ فهي سجل سلامة بحري لنتائج مؤكدة، وليست حكماً نهائياً على المسؤولية.

وفي الأسبوع المنتهي الجمعة، تلقت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغات عن عشر هجمات وغرق سفينة واحدة. وقالت الهيئة، وفق تقرير حديث نقلته وكالة أسوشيتد برس، إنها تواجه صعوبة في رسم صورة كاملة لأن كثيراً من السفن لا تبلغ عن الحوادث. وعليه، فإن رقم البلاغات الأسبوعي يمثل ما وصل إلى الهيئة، لا بالضرورة العدد الحقيقي لكل الوقائع في البحر.

هذا التمييز مهم عند قراءة الأرقام: قائمة المنظمة البحرية الدولية تجمع الحوادث التي تحققت منها ضمن نطاق جغرافي وزمني، بينما يعكس رقم الهيئة البريطانية البلاغات الواردة في أسبوع محدد. اختلاف المنهج والفترة يفسر لماذا لا ينبغي جمع الأرقام أو مقارنتها مباشرة وكأنها عدّاد واحد.

لماذا يهم التصعيد دول الخليج؟

مضيق هرمز هو بوابة بحرية رئيسية لصادرات الطاقة والتجارة من دول الخليج، وأي اضطراب فيه يرفع مخاطر الرحلة حتى بالنسبة إلى السفن التي لا تحمل النفط. سفن الحاويات تنقل سلعاً ومكونات صناعية وغذاءً، ولذلك يمكن أن تظهر آثار الخطر في كلفة التأمين، واختيارات شركات الشحن للمسارات، ومدة التسليم، وقدرة الموانئ على المحافظة على جداول منتظمة.

وأظهرت بيانات ملاحية نقلها موقع متخصص في الشحن أن عدد العبور في الأسبوع المنتهي في 14 أكتوبر بلغ 131 رحلة، مقابل 176 في الأسبوع السابق. وحذّر مزود البيانات نفسه من أن الانخفاض لا يمكن ربطه بالهجمات وحدها. كما قُدرت حركة النفط الخام عبر المضيق في 13 أكتوبر بنحو 12.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 15 مليوناً يومياً في نهاية سبتمبر. هذه تقديرات تتغير مع حركة السفن، وليست أرقاماً نهائية لصادرات كل دولة.

عملياً، لا يعني ذلك توقف جميع السفن، لكنه يشير إلى بيئة تشغيل شديدة التعقيد. قد تؤجل الشركات الإبحار، أو تنتظر حماية مرافقة، أو تعدّل السرعة والتوقيت، أو تطلب تغطية تأمينية إضافية. كما قد تختفي بعض السفن من خدمات التتبع العامة لأسباب أمنية، وهو ما يجعل الصور الفورية لحجم المرور أقل اكتمالاً من الظروف العادية.

سلامة البحارة قبل حسابات السوق

تضع المنظمة البحرية الدولية حماية البحارة في صدارة رسائلها بشأن الأزمة. وحتى 9 أكتوبر، كانت قد أحصت مئة حادث مؤكد في الشرق الأوسط منذ بداية التصعيد، مع 24 وفاة بين البحارة. ثم أضيفت إلى قائمتها حوادث جديدة في الأيام التالية. هذه الخسائر تذكّر بأن التأثير الأول للهجمات يقع على أطقم مدنية تعمل على سفن تجارية، قبل أن يظهر في أسعار الشحن والطاقة.

وفي الحادث الأخير، جنّب الإجلاء السريع طاقم «GFS Pride» وقوع إصابات، بينما وصلت «GFS Giselle» إلى الأمان بمحركاتها. لكن ظروف غرق السفينة الأولى، ونوع المقذوف الذي أصابها، والجهة المسؤولة ما زالت مسائل تحتاج إلى تحقيق. كذلك لم تنشر السلطات السنغافورية في بيانها تفاصيل عن الحمولة أو قيمة الأضرار أو ترتيبات انتشال الحطام.

ما الذي ينبغي مراقبته بعد ذلك؟

تتمثل المؤشرات الأهم في تحديثات المنظمة البحرية الدولية وهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، ونتائج التحقيق في إصابة السفينتين، وأي تحذيرات ملاحية جديدة قرب عُمان. كما ستكشف بيانات العبور اللاحقة ما إذا كان التراجع الأسبوعي مؤقتاً أم أصبح اتجاهاً أطول، وما إذا كانت شركات النقل ستغير جداولها أو رسومها.

أما بالنسبة إلى المستهلكين والشركات في الخليج، فمن المبكر نسبة أي زيادة محددة في الأسعار إلى هذه الحوادث وحدها. تكاليف النقل تتأثر بالوقود والتأمين والمسار والطلب وتوافر السفن معاً. المؤكد حالياً هو أن مستوى الخطر على الملاحة ارتفع، وأن غرق سفينة حاويات مع تصاعد البلاغات يجعل الأيام المقبلة اختباراً لقدرة السلطات وشركات الشحن على إبقاء الممر آمناً وقابلاً للعمل.

عمر الشمري

مدير الاقتصاد والأعمال