أخبار

المجلس الدستوري اللبناني يضيّق نطاق العفو العام

المجلس الدستوري اللبناني يبقي قانون العفو العام مع إبطال عبارات وتفسيرات ملزمة توسع استثناءات الفساد والجرائم الخطيرة.

بصمة النشر d1cb0d10e0
ملف قانوني ومطرقة قاض بجوار العلم اللبناني في قاعة محكمة
ملف قانوني ومطرقة قاض في قاعة محكمة لبنانية

أبقى المجلس الدستوري اللبناني قانون العفو العام رقم 70 لسنة 2026 قائماً، لكنه أبطل عبارات من بعض أحكامه ووضع تفسيرات ملزمة توسّع نطاق الجرائم المستثناة منه. والنتيجة المباشرة أن القانون لم يسقط بالكامل، إلا أن عدد المستفيدين وحدود التخفيضات والإفراجات سيُحددان على أساس القرار الدستوري الجديد لا على القراءة الحرفية الأولى للنص.

صدر القرار الاثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول بعد نظر الطعن الذي كان قد أوقف مفعول القانون مؤقتاً منذ 10 سبتمبر. وتفيد الخلاصة المنشورة للقرار بأن المجلس أبطل ثلاث عبارات، اثنتين في المادة الثانية وواحدة في المادة الثالثة، وأرفق مواد أخرى بتحفظات تفسيرية ملزمة للسلطات والمحاكم عند التطبيق.

ما الذي تغيّر في قانون العفو؟

أبرز تغيير يتعلق بجرائم الفساد. فالمجلس لم يقبل حصر الاستثناء في عناوين أو قوانين محددة، واعتبر أن الاستبعاد يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في التشريعات اللبنانية والاتفاقيات الدولية الملزمة للبنان، سواء وقعت في القطاع العام أم الخاص، وبصرف النظر عن صفة مرتكبها أو موقعه.

وأكد القرار أن العفو لا يمنع الدولة من المطالبة بحقوقها بوصفها متضررة، ولا يعطل إجراءات المصادرة أو استرداد الأموال المتأتية من الفساد. وهذه نقطة عملية مهمة للمودعين والمال العام: سقوط ملاحقة في ملف مشمول، حيث ينطبق القانون، لا يعني تلقائياً محو الحقوق المدنية أو إغلاق مسارات استعادة الأموال.

كما حصر المجلس أثر العفو على القرارات الإدارية المرتبطة مباشرة بالملاحقة أو الإدانة الجزائية المشمولة. وبذلك لا تسقط العقوبات التأديبية المستقلة آلياً، ولا ينشأ من العفو وحده حق تلقائي في العودة إلى وظيفة عامة أو استرداد مركز وظيفي.

المخدرات والتزوير والتعدي على الأملاك

في ملفات المخدرات، أوضح المجلس أن وصف «التكرار» يُقاس وفق شروط قانون العقوبات، لا بمجرد وجود أكثر من ملف أو ملاحقة. ويتطلب ذلك التحقق من الحكم السابق المبرم وتاريخ الفعل اللاحق وبقية الشروط في كل قضية. كما اعتبر أن استثناء الجرائم المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية يشمل زراعة المخدرات أيضاً.

وحّد القرار الحد الزمني لبعض أحكام المخدرات والزراعة عند الأول من مارس/آذار 2026، بعدما شطب عبارتين كانتا تربطان الشمول بتاريخ صدور القانون. ولا يعني ذلك أن كل ملف سابق لهذا التاريخ مشمول؛ إذ تبقى طبيعة الجرم، وصفة الفاعل، وحالة التكرار والاستثناءات الأخرى عناصر حاسمة.

وفي التزوير، جاء التفسير واسعاً ليشمل جميع الأفعال التي يصنفها قانون العقوبات جرائم تزوير، وليس فقط ما يتصل بالنقد أو المصارف. أما التعديات على الأملاك العامة والمشاعات والمنشآت التابعة للدولة أو البلديات، فتشمل القراءة الملزمة الأفعال القابلة للملاحقة أيضاً، مع بقاء تحديد انطباق النص على الوقائع من اختصاص القضاء.

جرائم لا يشملها العفو

شدد المجلس على خروج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري من نطاق العفو. ويُفترض أن يتم توصيف كل فعل وفق عناصر الجريمة والأدلة في الملف، لا وفق عنوان إعلامي أو وصف سياسي عام.

ويستثني القانون أصلاً طيفاً واسعاً من الجرائم، بينها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والإرهاب ضد المدنيين أو العسكريين، والخيانة والتجسس، والاعتداء على المال العام، وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والجرائم الجنسية الخطيرة والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء على القُصّر. قرار المجلس لم يحوّل العفو إلى إفراج شامل، بل ضيّق بعض منافذه وثبّت تفسير الاستثناءات.

وفي جرائم القتل المقصود، ربط القرار شرط إسقاط الحق الشخصي بالحالات الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات عند بحث تخفيض العقوبة. هذا لا يعني أن القتل أصبح مشمولاً بعفو كامل، وإنما يحدد شرطاً إضافياً في حالات التخفيض التي يسمح بها القانون.

ماذا عن أحكام الإعدام والمؤبد؟

أوضح المجلس أن المادة الثالثة من قانون العفو لا تعيد عقوبة الإعدام التي أُلغيت بالقانون رقم 68 لسنة 2026. ويعالج النص أوضاع الجرائم والأحكام السابقة: ففي الفئات التي حددها التفسير تصبح العقوبة 28 سنة سجنية، ولا يستفيد المحكوم بعدها مرة ثانية من قاعدة تحويل الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة.

الفارق هنا مهم لأن القانون يجمع بين العفو الكامل لبعض الجرائم وبين استبدال عقوبات أو خفضها في جرائم أخرى. ولا يصح التعامل مع هذه الآليات كأنها قرار واحد بالإفراج؛ فقد تسقط الدعوى في ملف مشمول، وقد تنخفض عقوبة في ملف آخر، وقد يبقى متهم موقوفاً بسبب قضية ثانية غير مشمولة.

هل تبدأ الإفراجات فوراً؟

تطبيق القانون يتطلب مراجعة فردية للملفات من القضاء والنيابات والأجهزة المختصة. وكانت النيابة العامة التمييزية قد بدأت التحضير عبر غرفة عمليات مركزية وتجميع بيانات المحكومين والموقوفين قبل صدور القرار النهائي، لكن وجود اسم ضمن قوائم أولية لا يساوي حكماً قضائياً بالإفراج.

ينص القانون على إخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة من دون حكم في جرائم سابقة للأول من مارس 2026، مع استمرار محاكمته، لكن الاستفادة تعتمد على استيفاء الشروط وعدم وجود ملفات أخرى أو مذكرات أو أحكام تمنع الخروج. كما يُسلَّم غير اللبناني المستفيد إلى الأمن العام لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب، ولا يعني ذلك بالضرورة بقاءه في لبنان.

وتبقى حقوق المتضررين الشخصية قائمة وفق المسار الذي حدده القانون، سواء أمام القضاء الجزائي أو المدني أو الإداري بحسب وضع الدعوى. لذلك ينبغي لأصحاب الحقوق مراجعة ملفهم القضائي وعدم الاستناد إلى قوائم متداولة أو وعود عامة.

ما الذي ينبغي متابعته الآن؟

الخطوة التالية هي إتاحة النص الكامل للقرار وحيثياته رسمياً، ثم تعميم آلية موحدة على المحاكم والنيابات والسجون. وستظهر الأسئلة الأصعب عند تطبيق التعريفات على الوقائع: متى يتحقق التكرار، وكيف تُحسب مدد التوقيف، وما أثر تعدد الملفات، وأي عقوبة تطبق عندما يجتمع حكم مشمول مع حكم مستثنى.

الخلاصة أن المجلس الدستوري لم يلغ العفو العام، ولم يتركه كما أقره مجلس النواب. أبقاه مع قيود وتفسيرات توسع استثناء الفساد والتزوير والجرائم الدولية الخطيرة، وتحافظ على حق الدولة والمتضررين في الأموال والتعويضات. أما الإفراج أو خفض العقوبة فليس تلقائياً لكل موقوف أو محكوم، بل نتيجة فحص قضائي لكل ملف على حدة.

ياسين الإدريسي

مدير الشؤون العربية