عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده للمساعدة في إطلاق حوار بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن، خلال اتصال هاتفي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان مساء الأحد 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وقال عراقجي إن الحلول العسكرية لا تنهي أزمات المنطقة وإن طهران مستعدة لدعم مسار سياسي.
أكد الجانب السعودي وقوع الاتصال وبحث التصعيد الأخير في المنطقة والجهود المبذولة بشأنه، لكنه لم يعلن قبول وساطة إيرانية أو بدء مفاوضات جديدة. هذا الفرق بين البيانين مهم: العرض صدر على لسان الوزير الإيراني، أما الموقف السعودي المنشور فاقتصر على موضوع الاتصال العام من دون إعلان مبادرة أو جدول زمني.
ماذا قال عراقجي في الاتصال؟
بحسب الرواية الإيرانية التي نقلتها وسائل إعلام إيرانية وعربية متطابقة، أعرب عراقجي عن قلقه من ارتفاع مستوى التوتر، وحذر من أن استمرار النهج العسكري سيزيد الأوضاع تعقيداً. ثم قال إن إيران يمكنها تقديم المساعدة لبدء حوار بين السعودية واليمن، في إشارة إلى جماعة أنصار الله الحوثية، والمساهمة في الوصول إلى تسوية سياسية.
الصياغة الإيرانية تتحدث عن استعداد للمساعدة، لا عن اتفاق منجز أو تكليف رسمي بالوساطة. ولم تُنشر تفاصيل عن قناة تفاوض أو مكان اجتماعات أو أسماء وفود أو شروط مسبقة. لذلك لا يمكن وصف المكالمة بأنها إطلاق لمحادثات مباشرة، بل هي عرض دبلوماسي في لحظة تصعيد حاد.
كما لم يعلن عراقجي، في الملخص المنشور، ضمانات يمكن لطهران تقديمها أو خطوات فورية لخفض التصعيد. وتبقى قدرة أي طرف إقليمي على الوساطة مرتبطة بقبول الأطراف المعنية وبوجود آلية متابعة ومرجعية سياسية واضحة، لا بمجرد إعلان الاستعداد.
ما الذي أكدته السعودية؟
أفادت التغطيات المستندة إلى إعلان وزارة الخارجية السعودية بأن الأمير فيصل بن فرحان تلقى اتصالاً من عراقجي، وأن الوزيرين بحثا التصعيد الأخير في المنطقة والجهود المبذولة بشأنه. ولم يتضمن الملخص السعودي المنشور تأييداً علنياً للتصور الإيراني أو إعلاناً عن دور وساطة لطهران.
لا يعني هذا الاختلاف أن الروايتين متناقضتان بالضرورة؛ فالبيانات الدبلوماسية تختار أحياناً مستويات مختلفة من التفصيل. لكنه يمنع نسب موقف إلى الرياض لم تعلنه. المؤكد المشترك هو حصول الاتصال ومناقشة التطورات الإقليمية، بينما تفاصيل عرض الحوار واردة في التصريح الإيراني.
جاء الاتصال بعد سلسلة اعتداءات استهدفت مطارات سعودية، بينها اعتداء جديد على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عصر الأحد. وهذا التوقيت يفسر الوزن السياسي للمكالمة، لكنه لا يثبت أن الطرفين اتفقا على صيغة موحدة لتوصيف الهجمات أو التعامل معها.
لماذا يأتي العرض الإيراني الآن؟
التصعيد عبر الحدود أعاد ملف اليمن إلى صدارة الاتصالات الإقليمية بعد فترة ركزت فيها الجهود على تثبيت التهدئة وبناء خريطة طريق سياسية. ومع ارتفاع الخسائر المدنية وتعطل السفر وتزايد المخاطر على البنية التحتية، يصبح فتح قناة تمنع اتساع المواجهة مصلحة عاجلة تتجاوز العلاقات الثنائية.
تحافظ إيران على علاقة سياسية وأمنية مع الحوثيين، بينما تقود السعودية منذ سنوات تحالفاً يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. هذه المواقع تمنح الاتصال أهمية، لكنها تجعل الوساطة الإيرانية مسألة حساسة أيضاً؛ فنجاحها يحتاج إلى إجراءات ملموسة تعزز الثقة، وإلى عدم تجاوز الحكومة اليمنية وبقية المكونات المحلية.
كما أن العلاقات السعودية الإيرانية شهدت استئنافاً دبلوماسياً في 2023 بعد اتفاق رعته الصين. ومنذ ذلك الحين استمرت قنوات الاتصال بين وزيري الخارجية حول ملفات إقليمية متعددة. المكالمة الجديدة تختبر قدرة تلك القنوات على العمل في أزمة تمس الأمن السعودي مباشرة.
أين تقع الأمم المتحدة وعُمان في أي مسار؟
المسار السياسي في اليمن ليس مجرد تفاهم بين دولتين. كان المبعوث الأممي قد أعلن في نهاية 2023 التزام الأطراف العمل نحو وقف شامل لإطلاق النار وإجراءات اقتصادية وإنسانية وعودة عملية سياسية يمنية جامعة، مع الإشادة بدعم السعودية وسلطنة عُمان للوساطة الأممية.
تؤكد الأمم المتحدة باستمرار أن التسوية الدائمة يجب أن تكون يمنية القيادة وتشمل القوى والمجتمعات المتأثرة بالنزاع. ولذلك يمكن للاتصالات الإقليمية أن تهيئ مساحة لخفض التصعيد، لكنها لا تحل محل مفاوضات تتناول الحكم والأمن والاقتصاد ودفع الرواتب وفتح الطرق والموانئ وترتيبات المرحلة الانتقالية.
لعبت عُمان دور قناة اتصال مهمة مع الحوثيين خلال جولات سابقة، كما دعمت الرياض اتصالات مباشرة ومسار خريطة الطريق. وإذا تحول العرض الإيراني إلى مبادرة عملية، فسيكون أحد الأسئلة الأساسية هو كيفية تنسيقه مع الوساطة الأممية والعُمانية بدلاً من إنشاء مسار موازٍ متنافس.
ما الذي يمكن أن يدل على تقدم حقيقي؟
أول مؤشر سيكون إعلان سعودي صريح عن قبول مساعدة أو ترتيب لقاء، يليه انخفاض قابل للرصد في الهجمات والعمليات المتبادلة. ثم تحتاج أي قناة إلى جدول أعمال يتجاوز وقفاً مؤقتاً للنار نحو ضمانات أمنية ومعالجة إنسانية واقتصادية ومسار يضم الحكومة اليمنية وبقية الأطراف.
أما استمرار الاتصالات الهاتفية من دون تغيير ميداني فلا يكفي للقول إن مفاوضات بدأت. كذلك لا ينبغي اعتبار الصمت العلني رفضاً نهائياً؛ فقد تجري اتصالات خلفية قبل ظهور إعلان رسمي. المعيار هو القرارات والخطوات التي يمكن التحقق منها، لا كثافة التصريحات وحدها.
ما الذي يبقى غير محسوم؟
لم تعلن الرياض ردها على العرض الإيراني، ولم تحدد طهران طبيعة المساعدة أو الضمانات التي تقترحها. كما لا يوجد موعد لاجتماع أو تأكيد لمشاركة ممثلين عن الحوثيين أو الحكومة اليمنية، ولا اتفاق معلن على وقف إطلاق النار.
حتى تتضح هذه العناصر، يمثل الاتصال نافذة دبلوماسية محتملة لا تسوية جاهزة. أهميته أنه جرى في ذروة تصعيد خطير وأنه أعاد طرح الحوار سياسياً، لكن قيمته الفعلية ستقاس بقدرته على حماية المدنيين ووقف الهجمات وربط التهدئة بعملية يمنية شاملة قابلة للتنفيذ.

