أقر حزب الله اللبناني بأن شحنة متفجرات ضبطتها القوى الأمنية عند حاجز ضهر البيدر الأسبوع الماضي تعود إليه، وطالب بإعادة السيارة وحمولتها والإفراج عن الموقوفين. جاء الإقرار على لسان النائب حسن فضل الله يوم الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد أيام من بدء تحقيق قضائي وأمني في الشحنة التي أوقفت على الطريق الرئيسي بين البقاع وبيروت.
يمثل الإعلان تطوراً مهماً لأنه أنهى الجدل حول ملكية الشحنة من جهة الحزب، لكنه لم يحسم قانونية نقلها أو وجهتها النهائية أو مسؤولية كل شخص شارك في العملية. هذه المسائل تبقى بيد التحقيق والقضاء. وقال فضل الله إن المواد كانت معدة لمواجهة القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، نافياً أن تكون مخصصة لاغتيالات أو عمل أمني داخل البلاد.
ما الذي ضبطته السلطات في ضهر البيدر؟
أوقفت القوى الأمنية مركبة عند حاجز ضهر البيدر على الطريق الذي يربط البقاع بالعاصمة، واعتقلت شخصين كانا بداخلها. وأعلنت الحكومة إحالة الموقوفين إلى القضاء ومواصلة البحث عن بقية المتورطين في نقل الشحنة وتمويلها وتنظيم مسارها. ولم يصدر حتى الآن حكم قضائي يحدد مسؤولية الموقوفين أو يثبت تفاصيل الاتهامات بحق أشخاص آخرين.
تفاوتت الأرقام المنشورة عن الوزن الإجمالي للمواد، إذ تحدثت تقارير عن نحو نصف طن، بينما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين قضائيين رقماً يصل إلى 780 كيلوغراماً من مواد ومستلزمات متفجرة، بينها 250 كيلوغراماً من مادة «تي إن تي» و250 كيلوغراماً من «سي 4». وبسبب هذا التفاوت، يظل الوصف الأدق هو «مئات الكيلوغرامات» إلى أن تنشر السلطات اللبنانية جرداً فنياً نهائياً.
قال رئيس الحكومة نواف سلام إن التحقيق يجب أن يكون شاملاً وأن يصل إلى كل من تثبت صلته بالعملية. كما أعلن وزير الإعلام بول مرقص أن الأجهزة ستلاحق بقية المشاركين، فيما انتقل الملف إلى المسار القضائي. ولا تعني مصادرة المواد وحدها ثبوت رواية عن الهدف منها؛ فالتحقيق مطالب بتحديد مصدرها، وخط سيرها، والأوامر التي نظمت نقلها، والجهة التي كان يفترض أن تتسلمها.
ماذا قال حزب الله عن الشحنة؟
قال حسن فضل الله إن الحزب أبلغ الجهات المعنية منذ توقيف السيارة بأن المركبة والمواد الموجودة فيها تعودان إلى «المقاومة»، وإنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية الموجودة في مناطق من جنوب لبنان. وطالب السلطات بإعادة الحمولة والإفراج عن الموقوفين، معتبراً أن تصوير الملف على أنه تحضير لاغتيالات داخلية ادعاء غير صحيح.
تصريح فضل الله يمثل موقف الحزب، وليس نتيجة التحقيق. فهو يثبت الإقرار بالملكية لكنه لا يمنح حكماً مسبقاً بشأن قانونية الحيازة والنقل أو الغرض النهائي. وفي المقابل، لم تعلن السلطات دليلاً قضائياً نهائياً يثبت الروايات المتداولة عن تخطيط لاغتيالات، لذلك لا يمكن عرض تلك المزاعم كحقيقة. المسؤولية الفردية والوجهة والنية مسائل تحتاج إلى أدلة وقرار قضائي.
اتصال روبيو بعون يضيف بعداً دولياً
بحث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الملف هاتفياً مع الرئيس اللبناني جوزاف عون مساء الخميس. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن روبيو طلب محاسبة من أمروا بالشحنة أو مولوها أو أداروها، وشدد على أن إعادة المتفجرات إلى حزب الله ينبغي أن تكون مستبعدة. كما دعا إلى اتصال عسكري مباشر بين لبنان وإسرائيل لتجنب الاحتكاك وسوء التقدير.
من جهته، طلب عون من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات والالتزام بصيغة التفاهم القائمة، وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم في الجنوب. ويظهر هذا التبادل أن بيروت تحاول معالجة ملف السلاح الداخلي بالتوازي مع مطالبتها بوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وهما مساران مترابطان سياسياً لكن لكل منهما التزاماته القانونية والأمنية الخاصة.
الموقف الأميركي لا يحل محل التحقيق اللبناني ولا يقرر مصير المضبوطات قضائياً. لكنه يرفع الكلفة السياسية لأي تسوية خارج الأطر القانونية، ويحوّل الشحنة إلى اختبار لمدى قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصر السلاح والنشاط العسكري والأمني ضمن الأجهزة الشرعية.
لماذا أصبح الملف اختباراً للدولة اللبنانية؟
تأتي القضية بعد قرار حكومي صدر في مارس/آذار 2026 بحظر النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله خارج مؤسسات الدولة، وطلب تنفيذ خطة حصر السلاح. ولهذا لا تتعامل الحكومة مع الشحنة كحادث نقل عادي؛ إذ ترتبط مباشرة بالسؤال عن الجهة التي تملك قرار استخدام القوة وبسلطة الأجهزة الأمنية على الطرق والمعابر.
في الوقت نفسه، يستند حزب الله في موقفه إلى استمرار وجود قوات إسرائيلية في أجزاء من الأراضي اللبنانية وإلى الضربات المتواصلة في الجنوب. هذا هو التبرير السياسي الذي قدمه للشحنة، لكنه لا يلغي خضوع نقل المواد المتفجرة للقانون اللبناني ولقرارات الحكومة. والتحدي أمام السلطات هو تطبيق القانون من دون أن يتحول الملف إلى مواجهة أهلية أو إلى تسوية تفرغ التحقيق من مضمونه.
كما أن نشر تكهنات غير مثبتة عن أهداف داخلية يزيد التوتر. لذلك تقتضي التغطية المسؤولة الفصل بين ثلاث طبقات: ما ضبطته السلطات فعلاً، وما أقر به الحزب عن الملكية والغرض، وما ستثبته التحقيقات بشأن المسار والمسؤولين والنية. وحتى الآن، الطبقة الثالثة لم تكتمل.
ما الذي سيحدده التحقيق؟
ينتظر أن يركز التحقيق على مصدر المواد وكيف دخلت مسار النقل، وهوية من أصدر التعليمات، وملكية المركبة، والجهة التي مولت العملية، والوجهة التي كانت ستصل إليها. كما يفترض أن يحدد التقرير الفني الوزن الدقيق ونوعية كل مادة وطريقة تخزينها، لأن اختلاف الأرقام يؤثر في تقدير الخطر وفي توصيف المخالفات.
ومن المنتظر أيضاً حسم وضع الموقوفين وفق الأدلة الفردية، لا وفق الانتماء المفترض أو الضغط السياسي. ولا يزال مصير المركبة والمواد خاضعاً لقرار السلطات المختصة؛ فلم يصدر إعلان رسمي بإعادتها، كما لم يعلن القضاء قراراً نهائياً بشأن إتلافها أو الاحتفاظ بها كأدلة.
ما المؤكد وما الذي لا يزال مجهولاً؟
المؤكد هو ضبط شحنة كبيرة عند ضهر البيدر، توقيف شخصين، فتح تحقيق، وإقرار حزب الله بملكية السيارة والمواد مع مطالبته باستعادتها. والمؤكد أيضاً أن الملف نوقش في اتصال بين روبيو وعون، وأن الحكومة تعهدت بمتابعته قضائياً وأمنياً.
أما غير المحسوم فيشمل الوزن النهائي، والجهة التي رتبت النقل بالكامل، والوجهة الدقيقة، وما إذا كان الغرض المعلن يطابق الأدلة المادية والاتصالات التي ستفحصها السلطات. إلى أن يصدر قرار قضائي أو بيان فني تفصيلي، يجب تجنب اتهام الموقوفين أو غيرهم بجريمة محددة على أنها ثابتة. المرحلة التالية ستكون معياراً لجدية التحقيق وقدرة الدولة على إبقاء القضية ضمن القانون بعيداً عن الشائعات والتصعيد.

