وقّع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مساء السبت 31 أكتوبر 2026، مرسوماً رئاسياً يتضمن العفو عن 5539 محكوماً، بالتزامن مع الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير في الأول من نوفمبر 1954. ولا يعني الرقم المعلن أن جميع المشمولين سيغادرون مؤسسات الحبس بالضرورة؛ فالبيان الرسمي قال إن الإجراء يخص أشخاصاً محبوسين وغير محبوسين صدرت بحقهم أحكام نهائية، ضمن شرط زمني واضح واستثناءات مرتبطة بطبيعة الجريمة.
تكمن أهمية المرسوم في اتساع عدد المستفيدين وفي صدوره بآلية دستورية محددة، لكنه ليس عفواً عاماً مفتوحاً لكل القضايا. ووفق النص الذي أعلنته رئاسة الجمهورية، يستفيد منه من كانت عقوبتهم الأصلية أو المدة المتبقية منها تساوي 24 شهراً أو تقل عن ذلك عند توقيع المرسوم. ولذلك يتوقف تطبيقه على فحص الملف القضائي لكل شخص، وصفة الحكم، والمدة المتبقية، وعدم وقوع القضية ضمن قائمة الاستثناءات.
من يشمله العفو الرئاسي؟
يضع البيان ثلاثة معايير أساسية. الأول أن يكون الحكم نهائياً عند تاريخ إمضاء المرسوم، فلا يمتد الوصف المعلن إلى القضايا التي ما زالت في التحقيق أو المحاكمة أو الطعن ولم تكتسب أحكامها الصفة النهائية. والثاني أن تكون العقوبة أو بقيتها في حدود عامين كحد أقصى. أما الثالث فهو ألا تكون الإدانة عن واحدة من الجرائم المستبعدة صراحة.
وإدراج غير المحبوسين يعني أن الأثر لا يقتصر على الموجودين داخل المؤسسات العقابية؛ فقد يشمل، وفق حالة كل ملف، من صدرت بحقهم أحكام نهائية ولم يكونوا رهن الحبس عند توقيع المرسوم. لكن البيان المنشور لم يفصل الأثر الإجرائي لكل وضعية، ولم يعلن جدولاً زمنياً موحداً لتنفيذ جميع الحالات. لهذا لا يصح التعامل مع رقم 5539 باعتباره عدداً فورياً للإفراجات في يوم واحد.
ما الجرائم المستثناة؟
استثنى المرسوم الأشخاص الذين حكمت عليهم جهات قضائية عسكرية، كما استبعد إدانات مرتبطة بالإرهاب والخيانة والتجسس والتقتيل والمتاجرة بالمخدرات والهروب. وتشمل الاستثناءات كذلك قتل الأصول أو الاعتداء عليهم، وجرائم الاعتداء الجنسي على قاصر، سواء اقترنت بالعنف أم لم تقترن به، والاغتصاب.
ويمتد الاستبعاد إلى الجرائم المنصوص عليها في القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، إضافة إلى تبييض الأموال وتزوير النقود والتهريب، والمخالفات المرتبطة بتنظيم الصرف وحركة رؤوس الأموال. هذه القائمة مهمة لأنها تمنع قراءة المرسوم باعتباره إلغاءً للعقوبة في كل حكم تقل مدته عن عامين؛ فالمدة شرط أولي، وليست وحدها كافية للاستفادة.
كيف اتُخذ القرار؟
أوضح بيان الرئاسة أن القرار استند إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادتين 91 في بندها الثامن و188، وجاء بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء. وهذه الإشارة تحدد الأساس القانوني الذي استخدمت بموجبه صلاحية العفو، وتفصلها عن تعديل القوانين الجنائية أو إصدار تشريع بالعفو العام عبر البرلمان.
العفو الرئاسي يتعلق بتنفيذ العقوبة ضمن الحدود التي يقررها المرسوم، ولا يحوّل تلقائياً الوقائع القضائية إلى وقائع لم تحدث، كما لا ينبغي الخلط بينه وبين البراءة. الحكم النهائي يظل نقطة البداية التي على أساسها تفحص الجهات المختصة أهلية كل ملف، بينما يحدد المرسوم أثر العفو وشروطه.
ماذا يحدث بعد إعلان المرسوم؟
تنتقل المهمة بعد الإعلان من المستوى السياسي والقانوني العام إلى مرحلة مطابقة الملفات. وتحتاج الإدارات القضائية والمؤسسات العقابية إلى التحقق من نهائية الحكم، واحتساب المدة المتبقية عند تاريخ 31 أكتوبر، ومراجعة وصف الجريمة، والتأكد من عدم وجود سبب للاستبعاد. وقد يختلف الأثر العملي من ملف إلى آخر بحسب العقوبة المنفذة والوضع القانوني للمحكوم عليه.
لأسر المعنيين، المعلومة الأكثر فائدة هي أن الاسم لا يُستنتج من مدة الحكم وحدها. المرجع الحاسم هو الإشعار الصادر عن الجهة القضائية أو إدارة المؤسسة العقابية بعد تطبيق نص المرسوم على الملف. كما أن القوائم المتداولة خارج القنوات الرسمية لا تثبت استفادة شخص بعينه، خصوصاً مع وجود استثناءات قانونية مفصلة.
لماذا ارتبط العفو بأول نوفمبر؟
صدر المرسوم عشية إحياء الجزائر الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير، وهي مناسبة وطنية مركزية تعود إلى الأول من نوفمبر 1954. وربط البيان القرار بالمناسبة مباشرة، كما هو مألوف في صدور إجراءات عفو في مناسبات وطنية ودينية، لكن نطاق كل مرسوم وشروطه يحددان بصورة مستقلة ولا يمكن افتراض تطابقه مع مراسيم سابقة.
ويحمل توقيت القرار بعداً اجتماعياً واضحاً بسبب عدد الملفات، في الوقت الذي أبقى فيه المرسوم الجرائم الأشد خطورة والجرائم المالية الكبرى خارج نطاقه. هذا التوازن هو جوهر الخبر: توسيع الاستفادة للمحكوم عليهم نهائياً في العقوبات القصيرة أو القريبة من الانتهاء، مع إبقاء قائمة واسعة من القيود.
ما الذي لا يزال غير معلن؟
لم يتضمن البيان المتاح توزيع المستفيدين بحسب الولايات أو المؤسسات، ولم يحدد عدد من سيغادرون الحبس فعلياً مقابل المستفيدين غير المحبوسين، كما لم ينشر أسماء الأشخاص. ولم يوضح كذلك المدة التي ستحتاجها مراجعة جميع الملفات. لذلك تبقى أي أرقام فرعية أو مواعيد إفراج جماعية خارج ما جرى تأكيده رسمياً حتى تصدر بيانات تنفيذية لاحقة.
المؤكد حتى الآن هو توقيع المرسوم في 31 أكتوبر، وعدد المشمولين المعلن البالغ 5539، واشتراط الحكم النهائي وحد العامين، وقائمة الاستثناءات. أما التطبيق الفردي فيتطلب قراراً مبنياً على الملف، وهو ما ينبغي متابعته عبر الجهات القضائية الجزائرية المعنية لا عبر التخمين أو القوائم غير الموثقة.

