أخبار

الأرصاد العالمية: إل نينيو يشتد ويبلغ ذروته في ديسمبر

تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد اشتداد إل نينيو حتى ديسمبر واستمراره على الأرجح إلى فبراير 2027، مع مخاطر حرارة وأمطار غير معتادة تختلف بين المناطق.

بصمة النشر 3213d247ae
سحب استوائية ممتدة فوق مياه المحيط الهادئ
سحب استوائية ممتدة فوق مياه المحيط الهادئ

قالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن ظاهرة «إل نينيو» أصبحت راسخة وتشتد بسرعة، مرجحة أن تبلغ ذروتها في ديسمبر/كانون الأول 2026 وأن تستمر حتى فبراير/شباط 2027 باحتمال يقترب من 100%. ويضع التحديث الصادر الخميس 8 أكتوبر الظاهرة بين الأقوى منذ بدء السجلات الحديثة، مع آثار محتملة في الحرارة والأمطار والاقتصادات والأنظمة البيئية حول العالم.

لا يعني الإعلان أن كل دولة ستشهد الطقس نفسه، ولا أنه توقع يومي لعاصفة أو موجة حر في مدينة محددة. «إل نينيو» نمط واسع في المحيط والغلاف الجوي يغيّر توزيع الحرارة والرطوبة على مدى أشهر، بينما تحدد الجغرافيا والبحار المحيطة والأنظمة المحلية شكل الأثر في كل منطقة. لذلك تظل نشرات الأرصاد الوطنية المرجع لأي تحذير محلي قصير المدى.

ما الجديد في تحديث 8 أكتوبر؟

تتوقع المنظمة أن ترتفع حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي إلى مستويات قياسية خلال متوسط أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر. وفي المنطقة التي يقيسها مؤشر «نينيو 3.4»، يُرجح أن يبلغ متوسط الانحراف الحراري الموسمي نحو 3.7 درجات مئوية فوق خط الأساس، مع قمة حول ديسمبر.

إذا تحقق هذا التقدير، فسيكون أعلى متوسط مسجل لهذه المرحلة، متجاوزاً الرقم السابق البالغ نحو 2.6 درجة في الفترة من نوفمبر 2015 إلى يناير 2016. لكن الرقم توقع موسمي قائم على نماذج متعددة، وليس قراءة نهائية حدثت بالفعل؛ ستحدد القياسات الفعلية خلال الأشهر المقبلة مقدار اقتراب الواقع من المسار المتوقع.

وتظهر البيانات التي سبقت التوقع تسارعاً واضحاً: ارتفع متوسط انحراف حرارة سطح البحر في منطقة «نينيو 3.4» من 1.6 درجة فوق المعتاد في يونيو إلى 2.5 درجة في أغسطس. وترى المنظمة أن هذا المسار، إلى جانب توافق النماذج، يبرر وصف الظاهرة بأنها تشتد بسرعة.

لماذا يثق الخبراء باستمرار الظاهرة؟

تقول المنظمة إن احتمال الاستمرار حتى فبراير 2027 يقترب من اليقين وفق إجماع 13 مركزاً وطنياً ودولياً للتنبؤ الموسمي. ولا يعتمد التقدير على نموذج واحد أو محطة منفردة؛ بل يجمع قياسات عوامات المحيط والأقمار الاصطناعية وبالونات الرصد الجوي، ثم يقارن مخرجات أنظمة تنبؤ تعمل في مراكز موزعة من واشنطن إلى طوكيو ولندن وبونه.

هذا النوع من الإجماع يرفع الثقة في الاتجاه العام، لكنه لا يلغي عدم اليقين في التفاصيل الإقليمية. تستطيع النماذج تقدير استمرار الاحترار وقوته على نطاق المحيط، بينما يكون تحديد كمية المطر في بلد أو توقيت موجة حر بعينها أصعب ويتطلب تحديثات أقرب زمناً ونماذج محلية أدق.

ووصفت الأمينة العامة للمنظمة سيليستي ساولو الحدث بأنه قد يصبح واحداً من أقوى أحداث إل نينيو منذ 1950 على الأقل. وهذه مقارنة بالقوة المقاسة في المحيط، لا ترتيب نهائي للكوارث أو الخسائر؛ فالأثر البشري يعتمد أيضاً على الاستعداد والبنية التحتية وإدارة المياه وطبيعة الموسم في كل منطقة.

كيف تعمل إل نينيو؟

في الظروف المعتادة تدفع الرياح التجارية المياه الدافئة غرباً عبر الهادئ الاستوائي، وتسمح بصعود مياه أبرد في الشرق. أثناء إل نينيو تضعف هذه الدورة أو تتغير، فتنتشر المياه الدافئة شرقاً وتتبدل مناطق تشكل السحب والأمطار. ويؤثر هذا التحول في حركة الغلاف الجوي، فتصل تداعياته إلى مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ.

وتشدد المنظمة على أن إل نينيو لا تخلق حرارة جديدة للكوكب، بل تطلق إلى الغلاف الجوي جزءاً من الحرارة التي خزنها المحيط تحت السطح. غير أن الظاهرة تحدث هذه المرة فوق محيطات شديدة الدفء أصلاً، ما يعني أن كمية الحرارة المتاحة أكبر. ولهذا ارتبطت أحداث قوية سابقة بسنوات شديدة الحرارة عالمياً، من دون أن تكون الظاهرة وحدها تفسير الاحترار طويل المدى.

يفرق هذا التوضيح بين عاملين متداخلين: التغير المناخي يرفع خط الأساس الحراري على المدى الطويل، وإل نينيو تضيف تقلباً طبيعياً دورياً ينقل الحرارة ويعيد توزيع الأمطار. اجتماع العاملين قد يرفع مخاطر السجلات الحرارية والطقس المتطرف، لكنه لا يجعل كل حدث محلي نتيجة مباشرة للظاهرة من دون تحليل علمي مستقل.

ماذا يعني ذلك للمنطقة العربية؟

على المستوى العالمي، ترجح المنظمة درجات حرارة فوق المتوسط في مساحات واسعة وتحولات في أنماط المطر تزيد خطر الجفاف في مناطق والفيضانات في مناطق أخرى. وبالنسبة إلى الدول العربية، لا يجوز تحويل هذا التوقع العام إلى وعد بموسم ممطر أو حكم بجفاف شامل؛ فالمنطقة تمتد من الأطلسي إلى المحيط الهندي وتخضع لتأثيرات مناخية متباينة.

تدخل في الصورة أيضاً ظاهرة «ثنائي قطب المحيط الهندي»، التي تتوقع المنظمة أن تبلغ مرحلتها الإيجابية ذروة في أكتوبر ثم تتراجع، بمتوسط انحراف موسمي يقارب 0.5 درجة. ويمكن لهذه الظاهرة أن تؤثر بقوة في المطر حول المحيط الهندي وشرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، لذلك لا يمكن قراءة أثر إل نينيو بمعزل عن حالة المحيط الهندي.

كما تتوقع المنظمة بقاء حرارة سطح البحر في الأطلسي الاستوائي فوق المعتاد. وهذا يوضح لماذا تبنى التوقعات الموسمية من عدة محركات مناخية معاً. بالنسبة إلى قطاعات الزراعة والمياه والطاقة والصحة، القيمة العملية ليست في اسم الظاهرة وحده، بل في تحديث خطط الموسم كلما صدرت توقعات وطنية أكثر تحديداً للأمطار والحرارة.

ما المخاطر التي تستحق المتابعة؟

قد تؤدي الحرارة الأعلى إلى زيادة الطلب على الكهرباء والمياه ورفع مخاطر الإجهاد الحراري، بينما تؤثر اضطرابات المطر في المحاصيل والمراعي والتخزين المائي. ويمكن للفيضانات أو الجفاف في مناطق إنتاج بعيدة أن تنتقل آثارها عبر أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد، حتى إلى دول لا تشهد الحدث الجوي نفسه.

لكن التنبؤ الموسمي لا يحدد وحده حجم الخسائر. الاستعداد المبكر، وتنظيف مجاري السيول، وإدارة السدود والمخزون المائي، وتنبيه المزارعين، وخطط حماية العمال من الحر، كلها عوامل تقلل الأثر. ولهذا تصدر المنظمة تحديثاتها كي تستخدمها الحكومات وخدمات الأرصاد وقطاعات الاقتصاد في التخطيط، لا لتكون إنذاراً عاماً بلا إجراء محدد.

ينبغي للقارئ متابعة ثلاثة أمور خلال الأسابيع المقبلة: القياسات الفعلية لمؤشر «نينيو 3.4»، وتحديثات المنظمة الشهرية التي تقارن النماذج بالواقع، والنشرات الرسمية المحلية عند اقتراب أي حالة جوية. أما المنشورات التي تربط كل مطر أو موجة حرارة بإل نينيو فوراً، فتحتاج إلى الحذر لأنها قد تخلط بين مناخ موسمي واسع وطقس يومي تحكمه عوامل أقرب.

ما الذي ما زال غير محسوم؟

الاتجاه العام قوي: الظاهرة ستستمر على الأرجح وتبلغ ذروة قرب نهاية 2026. غير المحسوم هو القيمة النهائية للانحراف الحراري، وموضع أشد اضطرابات المطر، وتوقيت الآثار المحلية. كما أن بلوغ 3.7 درجات في المتوسط الموسمي يظل توقعاً حتى تؤكده الرصدات المكتملة لأكتوبر ونوفمبر وديسمبر.

لذلك تجمع القراءة المسؤولة بين الجدية وعدم التهويل: تحديث المنظمة يرفع مستوى الانتباه ويمنح قطاعات حساسة وقتاً للاستعداد، لكنه لا يبرر توقع كوارث محددة بلا نشرات وطنية. وستكون المقارنة بين القياسات والنماذج خلال نوفمبر وديسمبر هي الاختبار الأوضح لقوة إل نينيو ومسارها نحو بداية 2027.

ياسين الإدريسي

مدير الشؤون العربية