أنهت حكومة نيبال عمليات البحث والإنقاذ النشطة عن ضحايا الفيضانات المفاجئة التي اجتاحت البلاد في 26 أغسطس/آب 2026، وقررت تحويل الموارد إلى إعادة التأهيل وإعمار الطرق والجسور والخدمات المتضررة. جاء القرار بعد أكثر من خمسة أسابيع من الكارثة، فيما لا يزال 5,285 شخصاً في عداد المفقودين.
بلغت الحصيلة الرسمية حتى 4 أكتوبر 1,455 وفاة، وفق تقرير إنساني حديث لليونيسف استند إلى بيانات السلطات النيبالية. ونقلت أسوشيتد برس أن قائمة المفقودين تضم مئات الأجانب، وأن مكتب رئيس الوزراء باليندرا شاه اتخذ قرار وقف البحث يوم الاثنين 5 أكتوبر، في خطوة أثارت اعتراض بعض الأسر وقبول أسر أخرى تبحث عن إنهاء الإجراءات القانونية الطويلة بعد فقد أقاربها.
لماذا أوقفت الحكومة البحث الآن؟
تقول السلطات إن الأولوية ستنتقل إلى إعادة فتح الطرق وإصلاح الجسور والوصول إلى التجمعات النائية التي عرقلت الأضرار إيصال المساعدات إليها. فالتضاريس الجبلية والانهيارات وتضرر شبكات النقل جعلت البحث والإغاثة أكثر صعوبة، ثم جاءت أمطار غزيرة جديدة بين 24 و28 سبتمبر لتؤخر بعض أنشطة الاستجابة وتقيّد الوصول إلى المناطق المتضررة لنحو أسبوع إضافي.
تضاءلت احتمالات العثور على ناجين مع مرور الوقت، لكن الأمل لم يكن نظرياً بالكامل في الأسابيع الأولى. فقد أُنقذ عاملان نيباليان من نفق تحت الأرض في مشروع تريشولي للطاقة الكهرومائية يوم 4 سبتمبر، ثم عُثر على رجل صيني في الموقع نفسه بعد يومين. هذه الحالات الاستثنائية أبقت آمال بعض العائلات حية، وهي تفسر جانباً من الغضب عند إعلان وقف البحث النشط.
بالنسبة إلى أسر أخرى، أصبح المطلوب الآن إثبات الوفاة وإصدار شهادات رسمية تتيح تسوية التعويضات والتأمين والميراث. وذكرت الوكالة أن الحكومة لم تكن قد أصدرت تلك الشهادات لبعض المفقودين لأن التشريعات تحتاج إلى تعديل، وهو ملف لم يُحسم بعد. لذلك لا ينهي القرار معاناة الأسر؛ بل ينقلها من مرحلة البحث الميداني إلى مرحلة إثبات الفقد والحقوق القانونية.
حجم الكارثة يتجاوز أعداد الضحايا
أفاد تقرير اليونيسف المؤرخ 5 أكتوبر بأن الفيضانات أثرت في نحو 84,270 شخصاً، بينهم 32,021 طفلاً و1,854 شخصاً من ذوي الإعاقة، موزعين على 17 بلدية في ست مقاطعات. وكانت 1,085 حالة لا تزال تقيم في 17 مركز إيواء بثلاث مقاطعات حتى 4 أكتوبر، بينما انتقلت أسر أخرى إلى مساكن مؤقتة أو بيوت مستأجرة أو لدى عائلات مضيفة.
تضررت 64 منظومة لإمدادات المياه، ونحو عشرة آلاف مرحاض، وسبع منشآت صحية، و23 مدرسة بحسب الحصر الإنساني. وفي تقييم تعليمي شمل 34 مدرسة، تبين أن 11 مدرسة دمرت و12 أخرى تضررت، بما أثر في 9,430 طالباً و216 معلماً. وما زالت بعض المدارس والحرم الجامعية تُستخدم لإيواء النازحين، ما يضغط على حق الأطفال في العودة المنتظمة إلى الدراسة.
وتضررت الطرق والجسور وشبكات المياه والاتصالات والطاقة في ممر بوتيكوشي–تريشولي والمناطق المحيطة. وقدّرت الحكومة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 4.8 مليارات دولار، تشمل السكن والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وسبل العيش وخفض مخاطر الكوارث.
الأطفال والصحة في مرحلة التعافي
لا تتوقف المخاطر عند انحسار المياه. فتلف شبكات المياه والصرف، والازدحام في مراكز الإيواء، وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية تزيد احتمالات الأمراض المنقولة بالمياه وتفاقم مشكلات التغذية. وذكر تقرير اليونيسف أن أربعة مرافق صحية دمرت في راسوا، وأن الوصول إلى مجتمعات تخدمها منشأتان أخريان ما زال مقيداً، إضافة إلى بقاء 13 عاملاً صحياً في عداد المفقودين.
ضمن الاستجابة، تلقى 66,168 شخصاً لقاح الكوليرا في نواكوت وراسوا، وأعيد تشغيل شبكات مياه تخدم قرابة 27 ألف شخص، وأُنشئ 70 مرحاضاً مؤقتاً. كما فُحص 4,825 طفلاً دون الخامسة للكشف عن سوء التغذية الحاد، وبدأ 92 طفلاً العلاج بعد رصد حالات متوسطة أو شديدة.
على صعيد التعليم، دعمت اليونيسف 52 مركز تعلم مؤقتاً أتاحت لأكثر من 1,500 طفل العودة إلى نشاط دراسي، ووزعت مواد تعليمية على آلاف الأطفال. ووصلت خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي إلى أكثر من 14 ألف شخص، وهو جانب مهم لأن الخسارة والنزوح والانفصال عن الأسرة قد تترك آثاراً تتجاوز فترة الإغاثة الأولى.
ماذا يعني الانتقال من الإنقاذ إلى الإعمار؟
إعادة الإعمار لا تعني مجرد إصلاح الطريق كما كان. المناطق المتضررة تحتاج إلى جسور وشبكات مياه ومدارس ومرافق صحية أكثر قدرة على تحمل الفيضانات والانهيارات مستقبلاً، وإلى خطط وصول بديلة عندما تقطع الطرق الجبلية. ولهذا تدعم الأمم المتحدة وشركاء التنمية تقييماً للاحتياجات بعد الكارثة يحدد الأولويات المتوسطة والطويلة المدى.
طلبت اليونيسف 17.2 مليون دولار للاستجابة العاجلة في قطاعات الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية، وقالت إن فجوة التمويل ما زالت تبلغ نحو 8.5 ملايين دولار. كما قدرت احتياجاتها الإضافية للتعافي والتأهيل، بما فيها الاستعداد للشتاء، بنحو 47 مليون دولار معظمها غير ممول.
الاختبار المباشر للحكومة سيكون في سرعة فتح الطرق وإعادة الخدمات وضمان وصول المساعدة إلى القرى النائية، مع وضع آلية قانونية عادلة لأسر المفقودين. وستظل دقة قوائم الضحايا والمفقودين قابلة للتحديث مع التعرف إلى الجثامين أو ظهور معلومات جديدة، لذلك ينبغي التعامل مع حصيلة 1,455 وفاة و5,285 مفقوداً باعتبارها أحدث حصيلة رسمية متاحة، لا رقماً نهائياً مغلقاً.
ما الذي يبقى مجهولاً؟
لم يتضح بعد متى ستصدر شهادات الوفاة لجميع الحالات التي تستوفي الشروط، أو ما إذا كانت فرق محدودة ستواصل أعمال استعادة الجثامين في مواقع بعينها رغم انتهاء البحث النشط الواسع. كما لم تُعلن بعد الخطة الزمنية الكاملة لإصلاح آلاف المنازل والبنية الأساسية، بينما سيحتاج تقدير الكلفة إلى مراجعة مع اكتمال تقييم الأضرار.
المؤكد أن نيبال انتقلت رسمياً من مرحلة الإنقاذ الواسع إلى التعافي، لكن آلاف العائلات لا تزال بلا إجابة نهائية. نجاح المرحلة الجديدة سيقاس بعودة المياه والمدارس والطرق والخدمات، وبقدرة الدولة على حفظ حقوق المفقودين وأسرهم، لا بمجرد إعلان انتهاء عمليات البحث.

